هذه هي عادات الزواج في ليبيا.. الخطبة والفضانية والزي

 

تعد عادات الزواج من أهم الموروثات، التي تتميز بها المجتمعات في سائر العالم، حتى وإن تشابهت مناطق الحضر، المدن، تظل بعض الفئات داخل الدولة أو المجتمع تحافظ على ذلك الموروث.

في الدولة الواحدة ستجد العديد من المجتمعات أو الفئات والقبائل خاصة في المنطقة العربية والأفريقية، وهي لا تزال حتى يومنا هذا تمثل قيمة كبرى لتلك المجتمعات التي تصارع من أجل الحفاظ على هويتها، رغم كل عمليات التداخل، التي طرأت خلال العصر الراهن، نقلا عن "سبوتنيك".

تعد ليبيا من الدول الأفريقية، التي تحظى بتعدد وتنوع كبير من حيث السكان، ومع هذا التنوع تحظى بعادات فريدة في مسألة الزواج تتشابه في بعضها وتختلف في بعض الأماكن.

تحدثت مع العديد من نساء ليبيا والباحثات في هذا الشأن منهم الدكتورة جميلة اللباد، أستاذة الجغرافيا وعضوة هيئة التدريس بجامعة الجبل الغربي، والدكتورة عائشة مسعود المليان، أستاذة التاريخ وعضوة هيئة التدريس بجامعة الجبل الغربي، والدكتورة رجاء مصطفى، أستاذة التاريخ وعضوة هيئة تدريس بجامعة بنغازي، وذلك للإطلاع على كافة التفاصيل الخاصة بعادات الخطبة والزواج في ليبيا، التي جاءت على لسانهن بحكم خبرتهن في العمل في هذا الإطار.

الخطبة

يختلف الوضع في ليبيا عن بعض البلدان في مسألة الخطبة، حيث توكل تلك المهمة للأم أو أحد أفراد الأسرة، وقد يكون العروس لم يراها العريس طوال حياته، إلا أنها إذا حظت بإعجاب الأم قد تكون زوجة ابنها، خاصة أن الأم تبحث أولا في محيط الاقارب ومواصفات أخلاقية وجسدية ترتضيها لابنها وتتوافق مع الأسرة، وتقوم بوصف ملامح الفتاة وطولها وجسدها للشاب، وعادة ما تتم الخطبة من القبيلة او العائلة حفاظا على الميراث داخل الأسرة والعشيرة ونوع من المجاملة المتوارثة.

ضمن العادات اللافتة للنظر أن العريس لا يرى عروسه، إلا في ليلة الزفاف، خاصة أنه عند قراءة الفاتحة في الخطبة لا يراها بل تراها أمه وأخوته الفتيات فقط، وإذا قابلت الفتاة خطيبها أو رأته دون إذن أهلها يتبرأ منها والدها، نظرا لاعتبار ذلك الأمر مخالفا للأعراف والتقاليد.

البيان أو الفضانية

البيان أو الفضانية، وجاءت الأخيرة من تعبير (يفضي الشيء) هي المرحلة، التي تتبع زيارة أهل العريس لأهل العروس، وطلب يدها بعد اتمام الاتفاق على كل شئ، حيث يخبر أهل العروس موافقتهم على خطبة ابنهم، فيذهب أهل العريس حاملين الهداية من الملابس والأردية والمواد الزيتية والحنة والشمع والسكر، وقد تشمل هذه الهدايا غلال الموسم وأنواع من الحلويات التي تصنع محليا، وتسمى "الفراقش" وهي تقدم من والدة العروس للخطيب.

في طرابلس، يقتصر الزواج بشكل كبير على الزواج الأندوجامي، وهو الزواج الداخلي أي داخل العائلة والقبيلة وهو مصطلح اجتماعي فرنسي، يفسر على أنه الزواج اللحمي، خاصة من ناحية الأب، وذلك للحفاظ على الميراث،  وضمن الأمثلة الشائعة بهذا الأمر "اللي واخذ بنت عمه كأنه ضحى من غنمه"، في حين أن قبائل الطوارق تركز على الروابط من جهة الأم.

المهور

بعض المناطق لا زالت المهور القديمة متبعة، خاصة في المناطق الفقيرة، وحسب المتحدثات لـ"سبوتنيك"، فإن مهر البنت البكر، على سبيل المثال في منطقة غريان "10 مرطات قمح (وهو وعاء يكال به القمح في ليبيا) و56 مرطة شعير، و3 جرات زيت و100 قرش، غير أنه في الفترة الأخيرة بلغ المهر 56 مرطة قمح و88 مرطة شعير و10 جرات زيت (وعاء خاص بليبيا في كيل الزيت) و10 رؤوس من الغنم و400 قرشا، ولم تعد هذه المهور هي المتبعة على كافة الأماكن، حيث أن بعض الأماكن أصبحت فيها المهور حلي من الذهب ومبالغ مالية كبيرة، حسب الحالة الاقتصادية للعريس، وما يتم التوافق عليه.

الوشم

الوشم، عادة قديمة في ليبيا، وهي الدق بالإبرة على الجلد، بخلاف أن العرب استخدموه في علاج بعض الأمراض، فإن العروس تستخدمه في التزيين قبل الزفاف، حيث جرت العادة أن  توشم الفتاة بواسطة "الوشامة"، وهو صباغ أزرق يوضع فوق الذقن وعلى اليدين، ويستمر مدى الحياة، واستخدم هذا الوشم كطريقة لإعداد الفتاة نفسيا، للانتقال لدورها كزوجة وربة بيت، حيث يتم فهم الوشم في سياق الزواج أي أن الموشومة أصبحت متزوجة.

تسبق الأفراح، ليالي غناء وأمازيغ تمتد لشهر كامل قبل ليلة الدخلة ، يتزامن معها صناعة ملابس العروس والعريس وتجهيزات المنزل بالأثاث ، كما تعلق الأضواء من يوم الجمعة الأولى في أسبوع الفرح، وينطلق ما يسمى بالسهريات، ومفردها سهرة، حيث يجتمع النساء كل ليلة طول أسبوع الفرح ابتداء من الجمعة إلى الخميس السابق للفرح، وتقرع ما يسمى بـ"الدربوكة"، وترتفع الاغاني وتتزين النساء بأجمل الألبسة، وترتدي الحرير ما يسمى بالرداء في ليبيا، والذهب والحناء في أجواء جميلة، وتقدم الحلويات والشاي والعصائر والشكولاتة ، ويحمل العريس لقب "السلطان" طوال أسبوع الفرح.

وعند العروسة، ذات الطقوس تضاف عليها  أنها تبدأ يوم الاثنين فيما يعرف بـ"يوم القفة" بمشاركة الفتيات حفلات السهر متزينات دون دخول الرجال عليهن نهائيا.

ثم تذهب يوم الثلاثاء إلى الحمام الخاص بالنساء أو "الزيانة"، وتتزين وتتجهز لليلة الحنة،  وترتدي أجمل الألبسة وهي ما تسمى ببدلة الحنة، المتميزة باللون الوردي والمعروف  بـ"البودري"، وترتديها بنات ليبيا كافة على  حد سواء وتصاحبها عدة أغاني تراثية، وتمسى ليلة الحناء في طرابلس بـ"النجمة".

ومن أغاني التراث الليبي:

"لبس البودري والحنه ربي ما يحرمكم منه

وعروستنا تقول حمامة لبست بوخطين توامه

لبست بودري وتهنت هذا وين عروس تسمت

الليلة ليلة حنايات وغدوة عند الغالي تبات".

تكمل العروس زينتها في ليلة الحناء، كما يتم إعداد البخور من خلال ما يعرف بالـ"الوشوشانة"، وتزين أطراف شعرها بالقلائد الفضية الثقيلة، وتعرف باسم" العنابر"، وترتدي العروس في هذا اليوم لباسا أزرقا مطرزا بفتلات ذهبية وفضية، ثم تخرج العروس بعد تمام زينتها وتخطو في طريقها فوق سلة بها حناء من باب التفاؤل بحياة زوجية مستقرة وسعيدة.

وتستمر ليلة الحناء حتى الصباح عند العروس والعريس، ومع طلوع الشمس يقومون بذبح ما أعد للفرح سواء كان من العجول والإبل والأبقار، ويتم تجهيز الغداء والعشاء عند العروس والعريس، وبعد وجبة الغذاء ينطلق أهل العريس بموكب من السيارات يحملون ما يسمى بكسوة العروس وذهبها، ويقدم لهم المشروبات من أشهرها "اللوز والروزاطة والعمبمر".

وتردد حينها مجموعة من الأغاني التراثية، أبرزها:

"صلي على النبي والعقل والع بيه

صلي على الدلاني بو فاطمة في حبه الرضوان في حبه ما ينساني

باسم الله على أول ما نبدا نقول على محمد والرسول

باسم الله على أول ما نقول حجب علينا يا رسول

سلام عليه وجاءنا النبي وفرحنا بيه".

الزي

يرتدي العريس البدلة أو الزي الشعبي، وهو البون والعروس ترتدي الفستان الأبيض أو البدلة الشعبية.

وفي بعض المناطق التي تحتفظ بالتراث القديم حتى الآن تزف العروس على هودج مغلق محمول على جمل مكسو بستائر قطنية، مربوط حوله وشاح أحمر من الحرير، ويتقدم موكب العروس فارس يحمل علما أبيض، وقبل أن تذهب العروس إلى بيت الزوجية يلف الهودج حول بيت الأب 7 مرات كتعبير عن وداع الفتاة لبيت أبيها، وعندما تصل بيت العريس يذبح لها كبش كبير أمام قدميها ترحيبا بها، وبعد سهرة الزفاف وقبل دخول المنزل تكسر أمام العريس جرة مملوءة بالماء وهي إشارة على أنه صاحب السلطة وصاحب الكلمة، وكذلك تيمنا بأن زوجته تحمل له الاخلاص.

وفي المناطق الشرقية من ليبيا يأخذ بعض الشباب دم ذبيحة العريس ويسكبونه على باب الدار.

وفي المناطق الغربية تقوم العروس بكسر بيضة عند مدخل البيت، تيمنا باللون الأبيض.

الدخلة

بعد دخولهم لغرفة النوم، يقدم كل منهما هدية للأخر عربونا للمحبة، ثم يصليا ركعتين وبعد ذلك يوضع السكر في فم العروسين تيمنا بحياة سعيدة لهم، وتبقى مع العروس في غرفتها حتى دخول العريس عليها، وبعد دخول العريس على عروسه يقوم بإطلاق الأعيرة النارية وكسر إبريق لإظهار عفة عروسه، التي تثبتها بالثوب الأبيض الذي يظهر عليه علامات فض بكارتها كبرهان على شرف البنت.

ولكن تلك العادات لم تعد منتشرة بشكل كبير في الأونة الأخيرة في معظم أنحاء ليبيا.

ويظل العريس لمدة 10 أيام لا يقابل والده، أما العروس فتبقى في أبهى زينتها لمدة شهر لا تلتقي فيها أبيها أو أحدا من أخوتها الشباب.

تجدر الإشارة إلى أن كافة المعلومات جاءت على لسان من تحدثت معهن "سبوتنيك"، وهن لهن دراسات سابقة في شأن العادات المجتمعية والموروث الشعبي الليبي، وذكرن بصفتهن في بداية التقرير، كما أن بعض العادات تختلف من منطقة لأخرى أي أن بعض المناطق تجاوزت تلك العادات للحداثة، وطقوس الزواج العالمية المتعارف عليها.

التعليقات