انتهى الصمت.. روسيات يجدن طريقا للحديث ضد التحرش

 
 
عندما دخلت الصحفية الروسية داريا زوك غرفة الأخبار إلى ضيفها شعرت بأن يدا ضربت مؤخرتها.
 
وتقول داريا، المرعوبة، إنها التفتت إلى ضيفها، البرلماني الروسي ليونيد سلوتسكي، الذي اندفع نحوها آنذاك ليقبلها.
 
كانت داريا في ذلك الوقت في الـ24 من عمرها وتعمل للعام الثاني كمنتجة ومحررة في شبكة تلفزيون "دوزهد" الروسية المستقلة.
 
وقالت لـ"سي إن إن"، متحدثة عن الواقعة التي حدثت في نوفمبر 2014، "أتذكر شعوري بالعجز حينها."
 
وأضافت داريا "هذا هو الرجل الكبير يتقرب منك. فهو ضيف برنامج. لم أعرف كيف أتعامل. بالتأكيد قلت له شيئا، شيء مثل ماذا تفعل؟... ما هذا؟"
 
وتابعت "ولكنني لم أتمكن من الدفاع عن نفسي بالشكل المناسب، ربما يكون ذلك بسبب رعبي."
 
وخلال الأسابيع التي سبقت الواقعة، قالت داريا إنها صدت محاولات سلوتسكي غير المرغوب فيها  للتقرب إليها سواء عبر الهاتف والرسائل النصية، ولكنها لم تتخيل أبدا أنها ستتعرض لتقربه جسديا.
 
وداريا هي واحدة من ثلاث صحفيات اتهمن سلوتسكي، رئيس لجنة دوما للعلاقات الخارجية، بتصرفات غير لائقة تجاههن. ولكنه أنكر جميع المزاعم.
 
ومن خلال الإعلان عن قصتها، تأمل داريا أنه ربما يتغير الحوار حول التحرش الجنسي، الذي يعد جريمة لا يعاقب عليها في روسيا.
 
من بعض النواحي، بدأت الحوارات حول التحرش الجنسي تتحول بالفعل. فقد قوبلت لحظات "مي تو" (أنا أيضا) لدرايا وزميلاتها بالدعم من قبل العديد من وسائل الإعلام الروسية، وهو إظهار تضامن غير متوقع في بلد غالبا ما يتم فيه إسكات الخلافات الصريحة.
 
والتقت داريا لأول مرة سلوتسكي عندما كان ضيفا في برنامج آخر. وبعد هذه المقابلة بوقت قصير، دعاها للعشاء ولكنها رفضت. وعندما وجهت له الدعوة للتحدث في برنامج الشبكة السياسي المسائي في نوفمبر، استمر سلوتسكي في إرسال رسائل إليها بطريقة "مبتذلة وقذرة"، وهددها بالانسحاب من البرنامج حتى اللحظات الأخيرة.
 
وكانت داريا ترفضه باستمرار "بأدب"، مؤكدة على أن دعوته للظهور في البرنامج كانت مهنية جدا.
 
وعندما أخبرت داريا أحد زملائها الكبار عن الرسائل غير المهذبة، أجاب بأن عضو البرلمان كان "شخصا بشعا"، ولكن الشبكة المستقلة، المحظورة جزئيا من الدولة، أرادت وجوده لتعزيز التقييمات.
 
وللحفاظ على عرض البرنامج بسلاسة، قالت داريا إنها اختارت أسلوب عدم الرد.
 
القاعدة الأبوية
 
أبلغت داريا عن الواقعة في غرفة الأخبار لاثنين من زملائها اللذان رافقا سلوتسكي بعد انتهاء البرنامج.
 
وقالت ألكساندرا بيربيلوفا، القائمة بأعمال رئيس تحرير الشبكة، التي كانت منتجة في وقت الواقعة المزعومة، لـ"سي إن إن" إن الشبكة لم تدعو هذا المشرع مرة أخرى بعد هذه الواقعة.
 
وأضافت "الآن، بدأنا في تطوير عادة جيدة للتحدث بصوت عال ومناقشة مثل هذه الأمور."
 
لما يقرب من أربع سنوات، لم تتحدث داريا علانية عن الواقعة، لأن هذه هي القاعدة في روسيا.
 
وقالت "لا يوجد فهم للحدود والخط الفاصل بين المغازلة والسلوك غير المقبول والتحرش واللمس." وهذا شيء متأصل منذ وقت مبكر.
 
وأضافت "لقد واجهت هذه الأنواع من المشكلات حتى عندما كنت طفلة. عندما كنت صغيرة، كان الرجال الكبار يتقربون مني في الشارع ويقدمون مقترحات غير مهذبة. لذلك، اعتدت على ذلك منذ طفولتي. إنه أمر مروع ولكنه يحدث."
 
وفي 22 فبراير، تحدثت داريا عن تفاصيل الواقعة، بدون ذكر اسمها، ضد سلوتسكي في تقرير نشر على شبكتها.
 
وأنكر سلوتسكي هذه المزاعم، حيث كتب على حسابه الرسمي على موقع التواصل "فيسبوك" في 23 فبراير "محاولات جعل سلوتسكي كهارفي ويستاين روسيا تشبه إثارة رخيصة وفجة ومحكوم عليها بالفشل."
 
ولم تتمكن "سي إن إن" من الوصول لسلوتسكي للتعليق على هذه القصة.
 
ثقافة الصمت
 
وفي الشهر الماضي، كسرت إيكاترينا كوتريكادز، نائبة رئيس تحرير قناة "RTVI" في نيويورك، أيضا صمتها حول سلوتسكي.
 
وبعد سبع سنوات، وتعيش الآن في النصف الآخر من العالم، تقول إنه لا يزال من الصعب الحديث عن الواقعة.
 
كانت إيكاترينا في الـ26 من عمرها في ذلك الوقت وتغطي السياسة الإقليمية في محطة جورجية عندما رتبت مقابلة مع سلوتسكي في موسكو.
 
وقالت إيكاترينا إنه طلب منها أن تأتي بمفردها إلى المقابلة حتى لا تكون مسجلة. أضافت أنها عندما وصلت إلى مكتبه، اعتدى عليها سلوتسكي.
 
وأضافت، متذكرة، "لم يكن هنا حوار. فقد دفعني نحو الحائط وحاول أن يقبلني ويلمسني. صدمت واندهشت ودفعته بعيدا."
 
وتابعت "أخبرني أنه لن يمكنني مغادرة المبنى لأنه يجب أن يوقع على بعض الأوراق للمساح لي بالمغادرة. ولكنني ركضت نحو سكرتيرته ووقعت لي الأوراق ثم هربت."
 
مثلها مثل داريا، لم تتحدث إيكاترينا عن الواقعة علانية لسنوات. وتعزو ذلك الصمت إلى مزيج من الخوف والعيش في بيئة محافظة ثقافيا تقول إنه تلوم المرأة وتلقي عليها بالعار.
 
كما كانت قلقة بشأن لامتها الشخصية وما يمكن أن يتسب فيه تحدثها لمستقبلها. وقالت "سلوتسكي رجل قوي وروسيا هي عالم يقرره الرجال."
 
وحقوق المرأة في روسيا متأخرة كثيرا عنها في العديد من الدول الأخرى، طبقا لتقرير الفجوة العالمية بين الجنسين في المنتدى الاقتصادي العالمي. وجاءت روسيا في المرتبة 121 من بين 144 دولة في التمكين السياسي وفي المرتبة 71 في تقرير عام 2017، الذي يتناول الاختلالات بين الجنسين في الاقتصاد ومكان العمل والتعليم والسياسة والصحة.
 
إشارات التضامن
 
قدمت داريا مع المدعية الثالثة فريدة روستاموفا، صحفية في "بي بي سي"، ضد سلوتسكي شكواهن إلى لجنة الأخلاق في مجلس دوما. وواجهن تراجع العديد من المشرعين.
 
وفي 21 مارس، برأت اللجنة سلوتسكي من مزاعم متعددة من التحرش الجنسي. ولم تفاجأ داريا وفريدة بالنتيجة ولكنهن كن قلقات من اللغة التي استخدمتها اللجنة ووصفتهما بأنهن كاذبات.
 
وفي أعقاب هذا القرار، قاطعت 40 وكالة إعلامية مستقلة الانتخابات وسحبت مراسليها من مجلس النواب.
 
وبعد تبرئة سلوتسكي من جميع التهم التي وجهتها له الثلاث نساء، قالت رايسا كارمازينا، عضوة البرلمان في لجنة الأخلاق، في مقابلة "كنت أجمل منهن بثلاثمائة مرة! وأذكى منهن! وعملت لـ50 عاما، ومنذ كنت في الـ18 لم يتحرش بي أحد."
 
ولا تتوقع داريا وإيكاترينا أن يتغير الموقف تجاه التحرش الجنسي بين ليلة وضحاها، لكنهن ترحبان بالدعم الذي تقولان إنه مستمر في تزايد بطرق غير متوقع.
 
وفي الأسبوع الماضي، تظاهرت عدد من النساء خارج دوما ورفعت لافتات مكتوب عليها "أنا لا أكون في متناول اليد."
 
 
 
التعليقات