خلف الأبواب المغلقة.. نساء استعنّ بجحيم "الكيف" هربًا من احتقار أجسادهنّ

"نظارة شمسية؛ أحمر شفاة ملائم للبشرة؛ وسماع موسيقى هادئة في أوقات شبه منتظمة" جميعها أسلحة مشتركة بين "ليزا" و"هند" ضحيتا عنف عبث الأخرين بأجسادهنّ بأشكال متنوعة كالختان والتعنيف والاغتصاب، تفصل كل منهما فروق فردية واجتماعية وعمرية لكن ثمة قاسم مشترك جمعهما وهو وضع كل منهن جسدها في موقف المتهم المتسبب في كافة الإحباطات النفسية والجسدية الأمر الذي قادهما إلى عقابه بالإدمان هربا من سيطرة المحيطين عليه.

تجلس "ليزا" الفتاة العشرينية ذات الشعر الأحمر المموج بثقة نجمات الإعلانات، تحاول تمالك مشاعرها حين تتحدث عن لحظات تسببت في قلب حياتها رأسا على عقب، تحاول السيطرة بإحكام على دموع رفضت أن تنغمر أثناء حديثها "على الرغم من أنني متعافية إلا أن تفاصيل القصة لا تزال حاضرة في ذاكرتي، فأنا بنت وحيدة، وأبلغ من العمر 21 عاما، كانت حياتي تدور حول الاهتمام والتفوق في الدراسة، إلى أن تعرضت للاغتصاب في سن 11 عام من قبل قريب والدتي عدة مرات".

لم تدرك "ليزا" حينها أن العبث بجسدها كان سببا في التغييرات الجذرية بحياتها، حيث أبعدها بالتدريج عن والدتها التي تخوفت من إخبارها تفاصيل الواقعة إلا بعد عدة سنوات خشية ردة فعلها.

تقول: "وجدت في الأصدقاء ملاذي للهرب من تذكر الواقعة، ولأثبت لنفسي أنني لازلت أتحكم في جسدي وأنه ليس مباحاً لغريب كي يمتلكه كان عليً خوض تجربة جديدة للوصول إلى لحظات من النشوة، وبالفعل وجدت ملاذي في المكيفات التي بدأت بقبول تجربة سيجارة حشيش وانتهت بتجريب معظم أنواع المخدرات كالترامادول والهيروين".

يقول دكتور طلال فؤاد، استشاري الطب النفسي ومسئول وحدة علاج إدمان الفتيات بمستشفى العباسية، أن طريقة التعامل مع الأنثى التي تتسم بالقهر في مجتمعاتنا العربية هي أهم العوامل المؤثرة بشكل مباشر لدفع الفتيات إلى الإدمان.  وأضاف فؤاد، أن هناك فروقًا في التعامل بين الشاب والفتاة داخل الأسرة الواحدة، مثل حصوله على الأموال، والخروج وقتما يشاء، عكس الفتاة التي يُصرف عليها أقل منه، موضحًا أن الفتيات يتعاملن بطريقة غير صحية مع الإدمان نتيجة مشاعرهن.

فتش عن الرجل المسيطر

"طلال" يؤكد أن 90% من الفتيات والسيدات اللاتي يقبلن على الإدمان ورائهم قصص مرعبة من القهر.

الطبيب النفسي يقول: "هناك حقيقة يهرب الجميع منها وهي أن وراء كل امرأة مدمنة رجل،إما زوجها الذي يشعر بالعجز الجنسي وفشله في علاقته معها فيوجهها للإدمان حتى يجعلها كائن شبحي فاقد للشعور بقهره لها جسديا، ثم يكتشف مع الوقت أنه فيما يشعرها بالقهر يحرمها أيضا من الشعور بالنشوة الجسدية فيزداد عجزه ويزاداد مع الوقت قهره لها، وهكذا تستمر دائرة العنف ضد المرأة بلا نهاية، أو والد مسيطر يعنف ابنته بدنيا أو نفسيا فتندفع للإدمان إما هربا من تحمل قسوته أو اللجوء إلى مسكنات لتحمل الألم أو تلجأ إلى مضادات الاكتئاب التي تتحول كل منهما مع الوقت لإدمان".

وبحسب منظمة الصحة العالمية فإنه يمكن أن يؤدي العنف الجسدي والجنسي لاسيما أثناء مرحلة الطفولة إلى التدخين وإدمان المخدرات والكحول أو انتهاج سلوكيات جنسية خطرة في مرحلة لاحقة من العمر، كما توجد علاقة وثيقة بين التعرض للعنف وممارسته في الكبر سواء على النفس أو ضد آخرين.

وبحسب أيضا إحصائيات المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، فإن سرعة وتيرة العنف الأسري الممارس ضد الفتيات والسيدات ازدادت في الاّونة الأخيرة خلال عامي 2014- 2015 حيث ارتفعت جرائم العنف الأسري خلال عام واحد إلى مليون و 700 ألف واقعة، واحتل الضرب المرتبة الأولى بين صور العنف الأسري، بنسبة 29% ثم جاء التوبيخ والاعتداء بالسب في المرتبة الثانية بنسبة 25%، وجاء التعنيف والتوبيخ أمام الأخرين بنسبة 9%، والضرب باستخدام آلة بنسبة 7%.

ثلاث رجال بحياة هند مصدر للعنف

"هند" امرأة ثلاثينية تحمل ملامحمها سنوات إضافية تفوق عمرها الحقيقي، من طبقة اجتماعية متوسطة، بدأت حديثها بكلمات: "كرهت جسدي لأنني أشعر أنه السبب في كل ما مررت به كما أنني أشعر بالنقمة من معاملة المحيطين بي".

تحاول "هند" استرجاع بداية تسلل هذا الشعور السيء إلى نفسها والذي بدأ في عمر الـ8 سنوات حيث قادتها والدتها لإزالة جزء من جسدها محدثة إياها في الطريق عن أهمية الختان وكيف كانت تلقبها طيلة الطريق بـ"العروسة".

"على الرغم من صغر سني وقتها إلا أنني أتذكر جيداً تأثير هذا اليوم على نفسي، شعرت بالغدر وقلة القيمة، كانت تقنعني أن العملية بسيطة ولن أشعر بشيء، وفوجئت بأن الطبيب والمحيطين يعرون جسدي ويستبيحون النظر بين ساقاي، هذا عن ألم التعري.. أما الألم الجسدي فلا يوصف، لم أكن أفهم وقتها ما يحدث ولكن شيء ما كسر بداخلي وكان من الصعب إصلاحه" تقول هند.

 لم يكن الختان آخر ما تعرضت له "هند" من عنف، ففي فترة المراهقة عانت من سيطرة أخيها الأصغر عليها ونفس الحال من والدها الذي فرض عليها الحجاب في سن الخامسة عشر حماية وصون لها كما كان يقنعها بذلك.

تواصل حديثها: "بدأت أحاول التصالح مع جسدي ومع شعوري بأنوثتي، لكن يبدو أن الأخرين كان لهم رأي أخر، والدي حكم سيطرته عليّ، تحول لمتحكم في أصغر تصرفاتي، وكان يجن جنونه كلما رآني أنظر إلى المراآة أو استمع للموسيقى أو أقوم بتصفيف شعري، كان يوبخني ناعتاً إياي بالفاجرة، وبدأت مراحل الإهانة تتطور من التعنيف بالسباب إلى الضرب والحبس في المنزل بالأيام والحرمان من الذهاب للجامعة لأسباب تافهة مثل أنني أضحك بصوت عالي أو أكلم صديقة لي في التليفون أو أتوسل للذهاب إلى رحلة تابعة للجامعة، وساعد أخي والدي على هذا السلوك بل كان يحرضه ضدي في الكثير من الأحيان، أما والدتي فكانت ترفض التدخل وتخبرني أن أبي له الحق في تربيتي بالشكل المناسب".

تضيف هند: "فور تخرجي من كلية الحقوق تقدم لي عريس يكبرني بعشر سنوات، ومستواه الاجتماعي قريب من مستوى أسرتي، وافقت أسرتي عليه بدون تردد ووافقت أنا عليه أيضاً ظناً بأنه سيكون مخرجاً من الكبت الذي أشعر به في المنزل، إلا أنني لم أكن اتخيل أن فصلاً جديداً من الإهانة سيضاف إلى حياتي، حيث اكتشفت بعد أشهر من الزواج أن زوجي مدمن مخدرات، كان يعذبني بالضرب تارة ويغتصبني في العلاقة الجسدية تارة أخرى، إلى أن عرض عليّ تجربة أنواع من المخدرات المهلوسة التي ستحسن مزاجي، وبالفعل وافقت لشعوري بالغضب والنقمة من كل شيء بداية من جسدي الذي أشعر بشكل ما أنه السبب في كل ما أنا فيه.. نهاية بعائلتي وزوجي، ثم تحولت مع الوقت لمدمنة شرهة للترامادول والمهلوسات والهيروين، وبعد عامين قُبض على زوجي بتهمة حيازة مخدرات، وقتها تعرفت على جارة لي أقنعتني بالخروج من تلك الدائرة وضرورة الذهاب إلى المستشفى للتعافي، وبالفعل أنا في مرحلة الشفاء لكن مشاعري لاتزال تحمل الكثير من الغضب والسخط على كل شيء".

يشير دكتور طلال، إلى أن رحلة علاج الفتيات من الإدمان تحتاج لمراحل من تصالح النساء مع أجسادهن، واقناعهن بأن هذا الجسد بريئاً من ممارسات العنف والاغتصاب والتشويه الممارس ضدهن، وأن الأنوثة أمر رائع ومصدر للسعادة والفخر وليس للخزي والعار.

وينوه عن وجود وحدة لعلاج الصدمات النفسية ملحقة بقسم علاج إدمان السيدات وذلك لضرورة تعافي السيدات على المستويين النفسي بسبب تعرضهن لحوادث عنف تترك أثارا نفسية عميقة وتجعل المرأة تشعر بالكراهية تجاه ذاتها، وأيضاً مستوى أخر للتعافي من الإدمان.

ومن جهة أخرى، يوضح عمرو عثمان، رئيس صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، أن عقار الترامادول هو الأكثر انتشاراً بين السيدات يليه بعض الأدوية المهدئة التي تحصل عليها النساء بدون استشارة طبية كنوع من العلاج الجسدي لمواجهة الأزمات التي تتعرض لها النساء في المجتمعات التي تحقر من شأنها، ومن ثم يتحول الأمر لإدمان مع الوقت.

فيما تقول هاجر نبيل، أخصائية العلاج بالفن، أن تحقير الأنثى في مجتمعنا من شأنه يصل بهن إلى اللجوء للإدمان كنوع من الهروب والشعور بعدم الرضا إزاء جسدها، مشيرة أن الكثير من الأهل يستمرون في إهانة الفتاة بعد علمهم بأنها اتجهت إلى الإدمان، ويعتبرونها وصمة عار وخزي، هذا بالإضافة إلى إنكار العديد منهم بأنهم جزء كبير من الأزمة.

توضح هاجر أن دور الفن يساعد المدمن في إخراج مشاعره ووعيه بها وإدراكه بما قدمه مهما كان عشوائياً، حيث يستطيع مع الوقت اكتساب النقد الذاتي لإنتاجه الفني، وتقبل نقد الأخرين له، مشيرة إلى أنها مرحلة في غاية الأهمية لأن المدمن شخص في غاية الحساسية، ويرفض النقد وهذا ما يجعل على الأسرة دور كبير في تفهم كيفية التعامل مع الفتاة المدمنة الأمر الذي يفشل فيه الكثيرون.

حماية قانونية للنساء من العنف هو الحل الأمثل

يعتبر مركز النديم لعلاج ضحايا العنف والتعذيب إن محاولات تغيير الموقف الاجتماعي من العنف المستند إلى النوع لازالت تفتقد إلى دعم قانوني في شكل قانون يجرم العنف الأسري، فالقانون بذاته له شق وقائي يساعد في ردع الجاني قبل أن يرتكب جريمته كما يساعد النساء اللاتي يلجأن للمحكمة طلبا للحصول علي الطلاق بسبب العنف الواقع عليهن.

وحسب المركز، "حتى الآن هناك صعوبات شديدة أمام هؤلاء النساء؛ حيث يعجزنّ عن إثبات الضرر الواقع عليهن بسبب العنف أو بسبب السلطة التقديرية للقاضي الذي قد يقتنع بالضرر أو لا يقتنع قياسا علي المستوى الاقتصادي والطبقة الاجتماعية وعدد مرات التعرض للعنف....إلخ،  كما لا يعترف القانون في مصر بجريمة الاغتصاب الزوجية".
ويلفت المركز، إلى أهمية إصدار تشريع يجرم العنف المنزلي بكافة أشكاله وذلك لتوعية الرأي العام والمجتمع بما هو وراء استبعاد العنف ضد النساء من قائمة الجرائم القانونية لحماية النساء من العواقب الوخيمة والأضرار النفسية التي تلحقها فيما بعد بسبب تلك الممارسات العنيفة الممارسة ضدها. 
على الرغم من اختلاف "ليزا" و"هند" على المستويين الاجتماعي والتعليمي إلا أنهما نموذجان يجتمعان مع غيرهم من مئات الحالات النسائية اللاتي تتعرض يومياً للعنف سواء من الأسرة أو الزوج فضلاً عن الغرباء لتصل الكثيرات منهن إلى مرحلة احتقار أنفسهن وأجسادهن، ومن ثم اللجوء للإدمان كمهرب غير اّمن لتقعن في دائرة جديدة من العنف ضد ذواتهن .

loading...
التعليقات