سحر عبد القوي تكتب: أنا وأبي وسيمون دي بوفوار وهلوسات الحُمّى

 

لم يقرأ أبي لسيمون دي بوفوار، وربما لم يسمع عنها، لكنه طالما عاملني كرجل. هكذا قالت سيمون دي بوفوار عن أبيها الذي رآها تمتلك عقلا كالرجال. أبي كان يعي أنني أمتلك عقلا كالرجال، مُجادِلة، حادّة، عنيفة أحيانا بصوت مرتفع، ساخرة، ومتمردة، وغضوبة.

لم يخبرني أبدا أنه يراني رجلا كاملا. لكني كنت أراه يُحدّق في ذلك الرجل الذي بداخلي وهو يسألني عن رأيي بتفخيم كنت أحسبه وقتها تهكما من فتاة تري أن رأيها سيكون سديدا. أو تري أنها ستكون من أولي الرأي السديد يوما ما، رأيها الذي يُطهي في طناجر الأيام. كنت أراه يُعجَب بالرجل الذي يسكنني لأنه ككل الرجال الصعايدة كان يتمني أن يكون له ولد. وخذلته الأيام والأقدار، أو خذلته حيواناته المنوية الحاملة للرمز (y) وتركت الحيوانات الحاملة للرمز (x) مهمة تلقيح بويضة أمي. فجئت أنا حاملة للرمز الجيني (xx). أنثى! يالحزن أبي الذي لم يفلح في أي محاولة إنجاب بعدها.

لا أعرف من الذي صنع الرجل الذي يسكن بداخلي: أهو أبي الذي لم تمُت بأعماقه رغبته في أن يكن له ولدا ذكرا. أم أنا في محاولة تعويضية لا واعية مني لأبي. طالما حاولت استرضاؤه فلبست ثيابه في غيابه ليجيء ويجد في البيت ذكراً، أو ارتديت شخصيته-الحُلو منها فقط-لأنه طالما كان نِداً وصيّرته الأيام في مرحلة ما إلى منافسٍ ثم عدو.

 هكذا تحققت فيّ مقولة دي بوفوار: أننا لا نولد نساء أو رجال بل تحولنا الحياة إلى نساء أو رجال. فحولت أمنيات أبي ورغباته جزء مني إلى رجل. بكل ما يحمل الرجال من كبرياء وترفع عن الشكوى وتحمل للهموم وأعباء الحياة، بكل ما تعنيه الرجولة من التزام وصدق وعد وتحمل مسئولية، بكل ما يحمل الرجال الحقيقيين من دهاء الانتظار ثم الانقضاض المباغت الساحق أو الرحيل القاتل المفاجئ الناعم كلمسة سيف حاد على شرايين عنق غافلة أو غير غافلة، بكل القدرة على الاستغناء والتقشف وقبول خشونة الحياة، بكل التحامل على النفس والقسوة الممنهجة الواعية أو الغير واعية.

"لم يكن هناك من يقبلني كما كنت ولم يكن هناك من يحبني ولقد عزمت على أن أحب نفسي لأعوض هذا التّرك" سيمون دي بوفوار.

لم يحب أبي أنوثتي وتنمر عليها. وجاهد كل الجهد لمسخها. كان يريدني ذكرا في جسد أنثي. ثم أرادني ذكرا في جسد ذكر. لكن جسدي لم يستجب. فقررت أن أحب نفسي. أرادني أبي رجلا بعقل ومسخ بجسد. فالمرأة التي تفكر جميلة. لكن الجسد أصل الغواية. لن أصير رجلا أبدا. فالرجال لا تترك ممارسة الجنس أثرا على أجسادهم. ليس لديهم غشاء بكارة يفضحهم ولا يحبلون. هكذا أدركت أنني لست رجلا. فعلي جسدي ألاف المحاذير. كيف يمكن أن أكون رجلا بالعقل وأنثي مكبلة الجسد. الرجال أحرار. على الأقل يملكون حرية التصرف في أجسادهم. ولا تجلب لهم حرية التصرف تلك أي عار لا لهم ولا لعوائلهم.

كانت هذه هي المعادلة المستحيلة. أن تكون حرا بعقل وجسد وإرادة. وأن تقبل نفسك، جنسك، جهازك التناسلي، رغباتك، عاطفتك، احتياجاتك، ضعفك. أن تعرف أنك المالك الحقيقي لمقدراتك جسدك وعاطفتك. أن تكن أنت. أن تكن دوافعك منبعها إرادة حرة. أن تحب نفسك كما أنت. أن تعيد تربية نفسك وفقا لمقومات جديدة. بدلا من التفكير في استجلاب أطفال. لا أريد أن أنجب طفلا وأربيه أريد تربية نفسي. أنا طفلتي.

عندما كنت صغيرة كم تمنيت أن أصير رجلا. لأتسكع في الشوارع لساعات متأخرة، وأسافر كما يحلو لي وحدي، واجلس على مقاهي الرجال الشعبية في بلادنا المنغلقة، وأدخن الشيشة والسجائر وأحتسي الخمر، ويكون في استطاعتي التباهي بعدد مغامراتي العاطفية، وأن أمارس الجنس مع من أحب دون أن يراني عاهرة. وأن أكون طالبة وفاعلة. وأن أقرر متي أتزوج بحسب احتياجاتي ومزاجي، أو أقرر أن أعيش في علاقة مفتوحة كما فعلت دي بوفوار مع سارتر.

ماتت تلك الرغبة، لم أعد أريد أن أصير رجلا. تسكعت في الشوارع وجلست على المقاهي وسافرت وعملت وكسبت وادخرت واشتريت جدرانا تحتويني وشربت الشيشة والسجائر وأحببت رجالاً. لدي رصيد من المغامرات العاطفية التي صقلتني ولم يذلني عشق لأبقي رغم أنف كبريائي أو أحطم من أجله ذاتي التي أقدسها وأقدرها. وأرضي بم لا يتفق وصورتي عن نفسي.

كان أبي يعرف أنني جامحة. وبرغم إعجابه بنبتتي المغايرة لنبات الحقول المجاورة. الشاذة الشيطانية. إلا أنه كان مصرا على وضع قدمه فوق فرامل مقودي. بينما كنت مصرة على قيادة حياتي بمفردي، فقررت قلب الحافلة بحادثة كبيرة لأقفز واشتري لنفسي سيارتي الخاصة. وقفزت وتركت مقود أبي منقلباً على الطريق. مُحتَرقاً وحده. وكان هذا أول انقلاباتي. لا أذكر عدد الرجال الذين تركتهم في منتصف الطريق بسيارات محترقة ومضيت وحدي. تقبلت نفسي وأنوثتي وخشونتي ونعومتي، استقامتي واعوجاجي. وتعدد الشخصيات التي تتوالد بداخلي. أحببتني جميعا.

"إني مرصودة للوحدة" سيمون دي بوفوار.

أن تكون نفسك يعني أن تكون وحدك، ولدت وحيدة، ومستعدة للعودة وحيدة كلما آلمتني الرفقة. جربت اليُتم وجربت مواجهة الحياة بتكشيرة أنيابها المفزعة. لا أحد بجواري إلا رفقة قليلة، وقسوتي التي أتحصن بها من توحش الناس وعقلي الذي يكشف لي خبايا قذارات النفس البشرية. وربما سأموت وحدي. لكنني راضية تماما ومتصالحة مع نفسي ومعجبة بكل تناقضاني وقدرتي على إبرازها دون توارِ أو خجل مصطنع.

 

*لكل من ترغب في مشاركة الخواطر أو المقالات برجاء التواصل معنا عبر بريد الكتروني: [email protected]

التعليقات