أمل خليف تكتب: أنا بائرة

أنا بائرة و استحق فعلا هذه الوصمة الحقيرة التى تدل على عدم نجاعتى فى صيد رجل. حدث فى مرتين أن أكون عن مسافة قاب قوسين أو ادنى من رجل حياتى.. و أفلته؛ اقصد و يهرب كما يهرب سنجاب مذعور من طقطقة اغصان تحرّكها الريح.
 
فى المرّة الاولى كان عمرى ستة عشرة سنة، يعنى لا بأس بقلّة خبرتى، كنّا بأوّل شعر مايو، كان الحرّ لذيذا و ظهيرة الاصيل تتمدّد فى كسل مسكر على الاجنّة الخضراء بين المعهد و بيتنا فى اطراف الغابة.
كانت الحافلة غير مزدحمة على غير عادتها، و بدت الكراسي الفارغة ناعسة بدورها و النّسائم الحارة المتسرّبة من النافذة تهدهدنى لانام.
و فجأة، هنا الحدث القادح، صعد جنديّ شاب، بخلاف العضلات التى يلفّها الزيّ الكاكى المثير لم انتبه الا إلى لون عينيه العسليتين.. 
كان هذا التفصيل مزعجا. كنت قد انتهيت لتوّى من رواية فى بيتنا رجل، و كان خيالى يطلب بالحاح جنديا لاعيش معه فصول الرواية.
كانت الحافلة تشق الطريق بسرعة غير مؤلوفة، و كان يجب ان احسم بسرعة ان كان لابأس بلون عينين عسليتين لجندى شاب، أم أن العذوبة العسليّة تفسد ما يتطلّبه الدور من جأش و صلابة.. هل يمكن لعينين عسليتين ان تحررا بلدا ضد الاستعمار ؟
قبل ان اجيب عن هذا السؤال المصيرى، كان فتى احلامى المنتظر، ينزل درج الحافلة و قبل ان افيق من الصدمة كان السائق قد اغلق الباب فى وجه احلامى، و اخذنى بعيدا عن محطّة الكشو. تلك المحطّة التى شهدت مولد حبّنا و افتراقنا الابدى..
كان يجب ان انتظر خمسة عشرة سنة، حتى يباغتنى القدر مرّة اخرى..
حدث هذا منذ ثلاث ساعات. كنت فى القطر اشق فرنسا من باريس إلى مرسيليا و اتخيّل ان سكينا بطرف القطر يفتق خريطتها ليعلّم وجهها المتغطرس بعلامة خفيفة، تضفى عليها المزيد من اللطف و الدراما الساحرة.
و كانت جارتى قد استحوذت بالمقعد بجانب النافذة لتتكوّر حول نفسها و تفقد الوعي، مؤنسة جلستى بشخير خفيف منتظم. بينما فى المقعد المقابل يجلس شاب لم أستطع أن احدد وسامته من عدمها، لجرأة نظراته الثاقبة.
ابتسم فى وجهى و ابتسمت، ثم ابتسم مجددا، ثم ابتسمت. ثم ابتسم لي ابتسامة اوسع فاشحت بوجهى فى ملل.
حارب الله قلّة الخيال عند الرجال، لقد اصبحت المغازلة مملة هذه الايام !
تبيّن صاحبنا من طابع الحسن فى وجهى بأصولى المغاربية و قرر أن يتقرب لى بموسيقى راي صاخبة. جعلتنى اتكوّر على نفسي و التحق بجارتى الفرنسية التى استحوذت على المقعد بجانب النافذة. 
لطالما كنت نوّامة و متسرّعة الحكم.. نمت لمدّة ثلاث ساعات متواصلة و حين افقت، سارعنى صاحبنا بابتسامة عريضة. قابلتها بتكشيرة ناعسة. 
توقف القطر، و لم تتوقف محاولات التقرب، جذب لاجلى الحقيبة و سالنى ان كنت احتاج المساعدة. نزعت سترتى لاريه عضلات ذراعي و ليتحقق اننى لا احتاج مساعدة و ما هكذا تغازل البرابرة، سليلات الكاهنة و عليسة و الجازية الهلاليّة..
بدى وجهه ممتعضا من غرورى و قلّة تجاوبى، تناول غيتارته و حقيبة جلدية و سبقنى فى النزول. حينها فقط تاملته: هذا المقطع ممنوعة على صاحبات القلوب الضعيفة،
كان رفيعا طويلا، يبدو صدره اسمر بشعر خفيف باد من فتحة قميص باج تصل نصف صدره، و يلبس سروالا ضيقا و قصيرا بلون ازرق فاتح، و بدت قدماه غاية فى الاناقة بصندل جلدي بنيّ يتماشى مع حقيبته الجلديّة الصغيرة. 
و الاكثر اغراءا كان طريقة تعليقه للغيتارة خلف ظهره...
اخخخ!
 
كنت على بعد خطوات من ميناء مرسيليا و نسائم الصيف تراود شعرى باي مغامرة نزقة، و اليخاندو كان جالسا بجانبى طوال الرحلة دون أن انتبه الي تأثيث حوار معه، انا التى ساهيم وحدى لساعات طويلة حتى يحين موعد الطائرة. 
اليخاندرو!! انتظر! 
كنت اركض خلفه لأجل ان افتعل معه اي حديث او ادعوه لمرافقتى لشرب مشروب بارد على ضفاف الميناء. اليخاندرو كان سريعا. حقيبتى كانت ثقيلة. قطع الطريق بخطوات واثقة، اتجه نحو مأوى الدراجات النارية، لبس خوذته، ركب دراجته و انطلق، بينما غيتارته تتدرجح بعيني!
انا كنت بميناء مرسيليا بالصيف، مرتدية فستانا اسود منقطا بالابيض و على راسي قبعة من القش. و اليخاندرو كان هنا بغيتارته و دراجته النارية و صندل الجلد فى قدميه. كل شئ كان ملائما.. حتى ان حمائم كثيرة تغزو الشارع.. و افلته..
انا بائرة و استحق ذلك...
 
التعليقات