ولاء الصياد تكتب: الفرشاة

 

هل أدركت فجأة وفي لحظة عبثية للغاية أنك لا تنتمي إلى هذا المكان؟

استيقظت صباحاً وأنا أشعر بثقل العالم على كتفي، صراخ مكتوم لا أشعر إلا بطنينه، أبحث عن شيء ما دائماً في الصباح، الفرشاة .. الملابس .. الحذاء. هناك أشياء كثيرة أبحث عنها أيضاً لكن لا أجدها في الصباح، ولا المساء!

استيقظ وأسئلة البارحة تستيقظ معي، كظل يلازمني كلما مشيت يمشي خلفي، لا أراه ولا أستطيع أن أواجهه لكنني أشعر به.

وبينما أنا غارقة في صراعي الصباحي للبحث عن الفرشاة التي – غالباً – ما تكون أمامي لكنني محتجز في سدّتي الصباحية التي تقف بيني وبين إدراك الواقع، قفزت أمامي أسئلة البارحة، أسئلتي التي استأنستها وألفتها بل تجاوزت الرغبة في الإجابة عليها وكأنها فقدت هيبتها من كثرة إلحاحها عليّ.

أردت اليوم – وعلى غير العادة – أن أواجه ظلي كمن يزيح الستار عن مشهد مهم يقف أبطاله يتصببون عرقاً يرتعدون خيفةً من مواجهة الجمهور لأول مرة.

تركت فرشاة الأسنان من يدي وتمعنت النظر إلى نفسي في المرآة..

لقد تغيرت كثيراً

فجأة وبدون مقدمات، راحت السدّة الصباحية وتعريت أمام نفسي .. استيقظت من نومي الآن، الآن فقط!

أعوام مرت وأنا أبحث عن الفرشاة هرباً من بحثي عن الإجابات

أعوام وأعوام وأنا أعيش في نسختي القديمة التي تغيَّرَت ولم أكن حاضرة لأشاهدها وهي تتغير، لقد تغيَّرتُ في غفلة مني وبقيت حبيسة في صورتي القديمة، أشاهد أفلامي القديمة، استمع إلى موسيقاي القديمة، أتحدث بنفس العبارات القديمة، أحاول أن أتواصل مع أصدقائي القدامى، أنا نسخة قديمة من شخصية لم تعد كما كانت في السابق، نسخة بالية كربونية فقدت أصلها في رحلة منهكة ومتعبة لا يُرى لها نهاية ..

كائن مزيف يسير مثقلاً بالذكريات يحملها كمن يحمل جريح حرباً في ساحة معركة، لا يعلم ماذا يفعل به لكنه لا يريد التخلي عنه حتى ولو أصبح جثة هامدة.

لم أبكِ بعد ..

تحسست جسدي، أنفي وعيوني وجبهتي، خطوط دقيقة للغاية ونظرة عابسة، لم تعد وجنتاي كما كانتا في السابق، لقد انخفضتا بعض الشيء، الجاذبية تقوم بعملها كل يوم، تجذبنا لأسفل في رسالة منها بأنه لا بأس بالوقوع والخضوع والجلوس أرضاً بحثاً عن إجابات، لا بأس بالبكاء أيضاً لكنني لم أبكِ بعد.

تسللت الأسئلة من خلفي ووقفت أمامي، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة أواجهها، باتت واضحة أمامي لكنني لم أكن مستعدة .. تكالبت عليّ وقيدتني ولم أجد الفرشاة هذه المرة لأبحث عنها.

لماذا نحن هنا؟

لا أعلم، هل هناك مكان أخر كان يتوجب علينا الذهاب إليه؟

أنا لم أصارع الحياة حتى أكون هنا ولم أصارعها أيضاً حتى أذهب هناك! حدثت الحياة كما تحدث لغيري، توقفت منذ زمن طويل عن الرغبة منذ أن تيقنت بأنه لا مكان لتحقيق الرغبات، فتركت الحياة تسير بي إلى حيث تريد وها نحن هنا.

هل هذا حقاً ما نريده؟

لا أعلم ما أريد، كنت في الماضي أريد أشياء كثيرة واليوم أملك أشياء أخرى وغداً سأترك ما أملك وأملك ما لم أرغب وأظل هكذا حتى أنتهي، كلما أردت شيئاً بقوة ومر الوقت وأنا في مكاني، أشعر وكأن هذا الوقت يمر من فوق قلبي يدهسه تاركاً أثار أقدامه عليه، وكأن روحي تتآكل وتتهالك بمرور الوقت. اللعنة على الرغبة، لا أريد أن أرغب في شيء بعد الآن.

التعليقات