نفيسة الصباغ تكتب مقاطع من يوميات المرأة الشبح (13): عن الجنس وكيمياء الانجذاب


غداة تلك الليلة اطمأنت وفاء على كل من تعرفهم من المشاركين في المظاهرة.. وعرفت أن نهى ومدحت تم القبض عليهما وأن محامين قد بدأوا رحلة البحث عنهما ومعرفة ماذا حدث ومتابعة الأمر...
فكرت طويلا في اليوم التالي عن رؤيتها ورؤية أحمد للجنس هي تراه قطعة الحلوى التي تحتاجها بعد وجبة مشبعة أو حبة الكرز التي تزين كعكة عيد الميلاد.. لذا لا يمكنها أن تمارس الجنس وهي مضطربة.. يجب أن تكون هادئة كي تستمتع بالعلاقة أما أحمد فعلى النقيض يمكنه أن يمارس الجنس كتفريغ لطاقة الغضب والتوتر داخله كي يشعر بالهدوء وبعدها يمكنه التفكير في أي شيء...
على العشاء جلس أحمد يمتدح الليلة السابقة وكيف حدث اللقاء بينهما وإحساسه بشغفها ينتقل إليه فيجعله أكثر استمتاعا.. ابتسمت وقالت في نفسها أن الشغف لم يأت من فراغ.. كانت هناك المناقشات الطويلة قبله والحديث عن تفاصيل يوميهما والخلاف على المشاركة في المظاهرات والتعبير عن الخوف والحب والتقبل رغم الاختلاف... لقد كانا بالأمس شريكين كاملين في الحياة وبالتالي جاء اللقاء الجنسي ليكلل المشاركة.. قطعة الحلوى التي استحقها الاثنين بجدارة.
حاولت يومها أن تفتح حوارا مع أحمد عن رؤيتيهما للجنس.. لم يستوعب أبدا ما تقوله.. ولا هي تمكنت من استيعاب كيف يمكن استخدام الجنس كوسيلة لتفريغ شحنات الغضب والألم والتوتر.. هو بالفعل كذلك لكن مشكلتها كانت مع الصمت قبل وبعد اللقاءات الجنسية من هذا النوع..
كانت تشعر بتوتره وألمه وحين تحاول الحديث معه يصمت ولا يرغب في اي مناقشات.. التوتر كان يثير رغبته في ممارسة الجنس .. وبعد الانتهاء يختفي التوتر ويظل الصمت لا يتحدث عما كان يقلقه.. تلك أسوأ تجارب وفاء مع زوجها ربما هي السبب الرئيسي لاستحالة استمرارها في تلك الحياة.. شعرت مرات كثيرة بالإهانة حين يستخدمها كأداة لتفريغ شحنة توتره ثم لا يشاركها سبب التوتر قائلا إنه انتهى ولا داعي للحديث عنه..
بدأت ترفض تماما ممارسة الجنس معه في تلك الحالات.. لم يرغمها يوما لكنه لم يستوعب ولا هي تمكنت من استيعاب طريقته تلك أو قبولها.. يقول لها إن دقائق التواصل الجنسي بينهما هي أكثر ما يشعره بالأمان وبأن هناك شريك له في الدنيا يمكن أن يحمل عنه جانبا من الهموم.. وبعد إفراغ حمولته من التوتر والقلق يعود لطبيعته العاقلة.. فيقرر ألا يثقل عليها بالحديث في مشكلات سببت له التوتر خاصة بعدما انتهى التوتر..
لم تتمكن من إقناعه أبدا بأن ما يعتبره "إثقال عليها بهموم" هو جوهر الحياة المشتركة التي تريدها.. رفضت لفترة طويلة أي تواصل جنسي بهذه الطريقة.. انتهى الأمر بمرات متفرقة كل عام.. هي ليست حياة مشتركة إذن ولا حتى تواصل جنسي منتظم وحلو يجعل التعاطي مع الحياة أكثر سهولة.
كثيرا ما فكرت في الأمر.. وما العيب في التعامل مع الجنس بمنطق تفريغ الطاقات السلبية؟؟ هو بالفعل وسيلة عبقرية لهذا فهو وسيلة تلاقي يحرق التوتر والقلق ويعيد بعضا من السكينة المفقودة للنفس.. فيمكن للبشر مواجهة الحياة أكثر اتزانا.. تحاول اقناع نفسها بذلك.. عقليا هي مقتنعة به لكن نفسيا لا يمكنها أن تقبل ما هو أقل من شراكة كاملة في الحياة كلها الفراش وكل ما سواه.. لم تتمكن من الوصول إلى حل يرضي الطرفين فظلت العلاقة بينها وبين أحمد تتآكل حتى قررت طلب الطلاق بشكل نهائي ولا رجعة فيه..
تدندن بمقطعها الغنائي الأفضل على الإطلاق:
لملم جروحك يا حزين وامشي..
خطوة كمان وتخف آلامك..
واحلم بعين صاحية ولا تنامشي
غير لما تقطف زهر أحلامك
لن ترضى بأقل من حياة مشتركة كاملة وإلا فما فائدة ارتباط الزواج بكل تعقيداته الاجتماعية؟؟ الجنس فقط؟؟ هي لا تكترث بالشكليات الاجتماعية وإذا كان الجنس هو الهدف فليكن مجنونا ومتغيرا ومع أشخاص مختلفين لكسر رتابة الحياة بعض الجنون لمواجهة العالم سيكون أفضل من الرتابة مع الشخص نفسه فقط لمجرد تفريغ التوتر..
حسمت أمرها من جديد وتأكدت أن هذا بالفعل ما تريده لخطوة أولى نحو بعض استقرار نفسي يمكنها من استكمال الحياة ورعاية ابنتها.. لا تريد إحساسها بالذنب لتعذيب شخص يحبها بحرمانه من متعته الوحيدة في الحياة فقط لأن لها وجهة نظر أخرى حيال تلك المتعة..
ولا يمكنها أيضا تحمل الشعور بالمهانة والتعامل مع جسدها باعتباره متنفس لإفراغ شحنات التوتر المتكررة لدى أحمد.. فليفعل ذلك مع إنسانة أخرى يكون الجنس بالنسبة لها أولا وقبل أي شيء وسيلة لتفريغ شحنات القلق ..
هكذا حدثت نفسها وانتظرت موعده المتفق عليه ليعود إلى البيت.. لم يتوقع أن يكون الحديث بينهما عن تلك النقطة تحديدا.. بالأمس حين حدثته كانت تتحدث عن المشاركة.. فما الذي فتح هذا الباب؟؟ تساءل متعجبا فأجابت وعلى وجهها ابتسامة باهتة ساخرة وحزينة: بالظبط ده الاختلاف بيننا كل الأمور مرتبطة المشاركة هي المشاركة في كل شيء وانت المشاركة بالنسبة لك يعني السرير أولا وأي شيء بعده يحصل أو لأ مافيش مشكلة.. باختصار يا احمد مش هاقدر اكمل الحياة بالطريقة دي..
أحمد: يعني مافيش أمل؟؟ احنا اتكلمنا كثير في الموضوع ده قبل كده والمفروض قفلناه
وفاء: طالما متحلش بطريقة ترضينا احنا الاثنين يبقى متقفلش يبقى اتأجل حسمه واحنا بقالنا سنين بنحاول نوصل لمنطقة وسط ومش قادرين.. ارجوك خلينا نرتب بهدوء للانفصال..
أيقن أحمد من الثقة والثبات في نبرة وفاء أن هذه المرة ليست كسابقاتها.. هي قررت بشكل نهائي ولن تتراجع.. يعرفها ربما أكثر مما تعرف هي نفسها.. ولن يقبل أن يعيش معها دون رغبة حقيقية منها ولو بدعوى حماية ابنتهما.. اتفقا على كل التفاصيل.. سينتقل هو لشقة أبيه.. وستبقى هي في المنزل مع نور وسيشارك في نفقات المنزل بنفس المعدل السابق.. وسيكون بمقددوره زيارة نور كلما أراد.. اتفقا على أهمية تجمع  ثلاثتهم بين الحين والآخر كأب وأم وابنتهما سواء على غذاء أو في فسحة بسيطة أو لمشاهدة فيلم سينمائي.. فالطفلة لابد وأن تكبر على أن الطلاق لا يعني أبدا صراع بين طرفين ولكن يمكن أن يكون منعا لصراعات لا طائل منها.
اتفق على أن تكون هذه هي ليلته الأخيرة في البيت.. ويبدأ في جمع متعلقاته للرحيل في اليوم التالي.. اتصلت زميلته في العمل.. فردت عليها وفاء.. ثم أعطته سماعة الهاتف دون أن أن تقول أي شيء.. عرفت أنها كانت تعلم وأنه تحدث معها عن تفاصيل وسبب لقائمها اليوم لم تتمكن يوما طوال السنوات الماضية أن تحوز تلك المساحة من نفس زوجها.. لا تعرف كيف ولا لماذا وحاولت أن تعرف لكنها فشلت..
تشعر بالغضب الشديد تتمنى لو اختفت تلك الزميلة من الحياة للأبد.. ربما لو لم تحتل تلك المساحة لتمكنت هي من الوصول إليها والفوز بحياة مشتركة حقيقية حيث الحكي والفضفضة والمناقشة وأيضا الجنس.. لم تقل شيئا ولا هو قال أي شيء..
فقط دخل غرفة نور والقى بنفسه على سريرها الفارغ وحاول النوم.

لقراءة الحلقات السابقة:

نفيسة الصباغ تكتب عن تجربة فتاة مع التحرش والانتهاك: مقاطع من يوميات المرأة الشبح
نفيسة الصباغ تكتب: مقاطع من يوميات المرأة الشبح (2)
نفيسة الصباغ تكتب: مقاطع من يوميات المرأة الشبح (3).. عن مراحل التحول والاحتراق
نفيسة الصباغ تكتب: مقاطع من يوميات المرأة الشبح (4).. عن بدايات الإدراك والتأمل
مقاطع من يوميات المرأة الشبح (5).. تلك التي قتلت زوجها
نفيسة الصباغ تكتب: مقاطع من يوميات المرأة الشبح (6).. بين الحب والكراهية
مقاطع من يوميات المرأة الشبح (7).. علامتان فوق وريد نافر
مقاطع من يوميات المرأة الشبح (8) معركة الأمومة
مقاطع من يوميات المرأة الشبح (9) : لملم جروحك يا حزين وامشي

نفيسة الصباغ تكتب: مقاطع من يوميات المرأة الشبح (10).. عش لنفسك ولو قليلا
نفيسة الصباغ تكتب: مقاطع من يوميات المرأة الشبح (11).. هواجس الانكسار والعجز

نفيسة الصباغ تكتب: مقاطع من يوميات المرأة الشبح (12).. يوم خلق الله نور

التعليقات