جهاد محمود تكتب: حياة واحدة لا تكفي

وكعادتي .. أغرقُ في بحرِ أحلامِ اليقظة.. ويتملّكُني الشرود .

أتعرقلُ مِراراً بعوالمي المتوازية..

فعالمٌ واحدٌ لا يكفي لأعيشَ كل التجارب، ولا لأشعر بكل العواطف، ولا لأتذوق كلّ النجاحات .

ولأن جسدي لا يستطيع أن يحلّ في مكانين .. ولكنّ زادي هو فكري وشعوري وخيالي ..

وفيهم أجدُ مرتعي ومراحي ..

لذلك ..

وجدتُني إذ ذاك معلماً .. المعلمُ الذي يعطي جزءاً من روحِهِ مع كل معلومة يلقنها لطالبه ..

ذلك الذي هو جزء من نجاح كل عالمٍ أو طبيبٍ أو مهندسٍ أو فنّان ..

ذلك الذي مقدار صرامته يعادل تماماً ما عنده من لين ورأفة ..

وجدتُني طبيباً .. مقدار إنسانيته لا تتناقص بقدر مشاهد الدمِّ التي تعرّضَ لها طِوال حياته .. وروتين المهنة لم ينقص من قدر اهتمامه بمرضاه ..

طبيباً لا تخلو تعليماته من الدفء الذي يحتاجه كلّ عليل.. ولا من اليقظة التي هي فحوى نجاحه .

تارةً أجدني مهندساً.. تجري الهندسةُ في دمه.. ولا تقتصر فقط على الوظيفة.. بل هي أسلوب حياة ..

تراه مختلفاً في كل شيء، قادراً على تبسيط كافة الطرق للوصول إلى الحل ، محولاً أي فكرة إلى صورة ثلاثية الأبعاد وتقبل التطبيق على الواقع .

وتارةً أخرى أجدُني تاجراً.. يعطي تجارته من وقته وجهده فتعطيه الربح الذي يطمح له ..

صادقاً أميناً.. سمِحاً إذا باع.. سمِحاً إذا اشترى ..

تراه يتّخذ وقته صديقاً فلا يرنو للنجاح السريع.. ربما يكون التقدّم بطيئاً ولكنه أكيدٌ .

وجدتني صحفياً.. عفوياً مشرقَ التفكير.. فضولياً محباً للاستطلاع ..

عاشقاً للغة الضادِ وفصاحتِها.. قريباً من الناس ..

فحكاياتهم هم الوقود لمسيرته.. وهم الوازع لتجربته الشعورية التي هي سر كتاباته ..

ليس صادقاً فقط بل مصداقاً.. فلا مصداقية بدون صدق ولكن هناك صدقٌ بلا مصداقية ..

 رأيتني محامٍ.. ممثلاً للعدالة على الأرض.. بشخصيةٍ عميقة ومعقدة ..

 له قوة عظيمة في التوقع والحدس ..

 قادراً على التوحد مع موكّله لينوب عنه في الدفاع عن نفسه ..

حاضرَ الذهنِ.. سريع البديهة وخطيباً مفوهاً

 وكالعادة أيضاً.. أفقت من أحلامي على صوت طفلتي الصغيرة – أصغر إنجازاتي عمراً وأعظمها قدراً – ثم أصدرت تنهيدة مُفَرّغةً لشحنات تفكيري ..

قلت في نفسي.. ليس في الحياة متسعٌ لكل شيء.. ولَأَن أسعى لإنجاح تجربة واحدة أبلغ من التفكير في عدة تجارب دون محاولةٍ جديّةٍ لإنجاح أيٍّ منها ..

فعمرك ليس رقماً في سجلاتك المدنية .. إن عمرك هو ما أنجزته بالفعل .. !‎

وعلى قدر ما تستهلك التجربة من نفسك على قدر ما ستؤثر على نضجك ووضوح رؤيتك وتقديرك للأمور.

لكن يمكن تعويض ذلك الشغف بكل جديد بالقراءة .

وكما قال عباس العقّاد "إنما أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة في هذه الدنيا، وحياة واحدة لا تكفيني، ولا تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة. والقراءة دون غيرها هي التي تعطيني أكثر من حياة واحدة في مدى عمر الإنسان الواحد" ..

التعليقات