ياسمين غبارة تكتب: طفلته الصغيرة

 

خَرج من سيارتهِ بِقَامَتِه الطويله فى تلك الملابس الرسميه المُتعِبة التى تَقتَضِيها الوظيفة.. فتحَ باب السياره الخلفىِّ وأخرَج منها أغراضاً كثيره حصيلة مروره على الهايبر حمل الأغراض فى يَدَيهِ وحَقيبة اللّاب توب على كَتِفِه.

يدخل العمارة مارّا  بجاره الذى يتبادل معه ذلك السلام العابر فقط منذ سنين فيلقى عليه نفس السلام أمام باب المصعد وعندما يدخل يُذَكّر نفسه بأن يضغط أكثر من مره على زر المصعد فهو لا يستجيب بسهوله..

يَدخُل بَيته وَسَط زَخَم أطفاله وسلام زوجته ويحاول أن يستمتع بلحظات لقاء أسرته بعد يوم طويل إلا أن ذلك الصداع الذى ينتابُه دوماً  أَفسَدَ عَليهِ اللّحظه فَدخَلَ غُرفَتَهُ لِيَنام  علّ النَّوم يُريح ألَمَهُ قليلاً . وضع رَأسَهُ على الوِسادة بملامحه الهادئة وحاولَ أن يسترخى إلا أنَّ هاتفهُ أَبَى أن يترُكهُ يرتاح أو بالأحرى مُديره الذى ظهر اسمه على الهاتف لِيُنبّىء بمزيد من الصداع.

بعد أن أنهى المكالمة تمنى أن ينام ولكن ها هو مَوعِد الغَداء وها هو النّداء. لماذا لا يَترُكونَهُ ينام؟ يخرج من غرفته بابتسامه يحاول أن يرسمها على وجهه من أجل أطفاله. يأكل بِسُرعَه ويَأخُذ مُسَكِّن فالنوم أصبح حلم مؤجل إلى الليل خصوصا بعد أن ذَكّرته زوجته بموعد طبيب الأطفال..  لقد نَسِىَه تماما ....جلس فى سيارته  بجانب زوجته وابنته الباكية وذهب إلى الطبيب، ليجد مزيدا من الأطفال الباكية  وكثيرا من الانتظار .

نامت ابنته فى طريق العودة وأخذت زوجته تَشْكِى مِن الواجبات المدرسية التى تنتظرها مع أولادها الإثنين فى المنزل وكيف أن المناهج أصبحت مُرهِقة  وأدوار الانفلونزا التى لا تنتهى. توَقَّفَ ذِهنُه عن استيعاب كَلامَها تدريجيّاً حتى أصبح الصمت جاثما على سمعه ينظر إليها من حين لآخر يراها تتحدث إلا أنه لم يعد قادرا على الاستماع.

كان يستمع لخاطر واحد يدور فى ذهنه ...متى سَيسألنِى أحد عن أحوالى؟ لماذا لم تعد تسالنى عن حالى؟! ...حالى أنا ..لا عن أخبار الشغل ولا عن مَوعِد القِسْط ولا أخبار أهلى وأصحابى ..متى ستتحدث معى عن أحوالى أنا؟ لماذا لا ترى أنِّى مُتعَب ومُرهَق ألا يبدو علىّ ذلك؟ هل أنا بَارِع فى إخْفَاء كُل ما بِداخِلى إلى هذه الدّرجة أم أنَّ النَّاس اعتبرت أن هذه ملامحى الأصلية  ونسوا بِمُرُورْ الوَقْت أنِّى كُنت أضحَك أكثر؟

أتَكلَّم أكثَر ..نشيط أكثَر ..وكيف لا ينسون..! وقد نسيتُ أنا نفسى وأصبحت كالآلَهْ  التى ضبط إيقاعُها شَخصٌ ما وحَدّدَ لها طَريقةُ عَملِها ثمّ أدارَها وذَهَب وأنا لا أعلَم كيف أُوقِفُها .

توقفت السيَّاره أمام المنزِل لِيَجِد ابنَهُ مُنتَظِرُه أمامَ الباب بِشنطة التمرين ...  ..بالتأكيد  قالت له زوجته شيئاً عن ذلكَ فى حِوارِها الطويل فى السيَّارة...  أطرقَ رأسَهُ قليلاً حتى خَرجَت زَوجتهُ ورَكِب ابنَهُ الذى نَجح فى أن يرسم على وجهِ ابيهِ ابتسامة  طوال الطريق بحكاياته عن التمرين وانجازاتُه وأصدِقاؤُه وأحلامُه  بأن يصبح لاعِب كُرَة مُحتَرِف وعندما سأله والده عن أىّ فَريق فى العالم قد يرغب فى الاحتراف به ..انفتَحَ فى وَصله أكثر حماساً من المعلومات والتحليل لكل الفِرَق وأفضَلُها ولم يُوقفه إلا وصوله لباب النادى.

عندما عاد إلى المنزل كان حقا يتمنى أن يُغمِض عينيه وأُذُنَيه حتى يَصِل إلى فراشه وبالفعل حانت لحظة الراحه التى ينتظرها منذ أن انطلق هاتفه بذلك الصوت المزعج  صباحا...  وقبل أن يغلق عينيه سمع صَوت الباب يُفتح فاغمض عينيه بشده وتَنَهّد، كان على وشك أن ينهض استعداداً للانفجار  إلا أنه فُوجىءَ بأنامل ابنته الصغيره تُمسِك يديه وتضعها على جبينها وتقول بصوت صغير جدا: "شوفت يا بابا  السخونيه راحت"، واعطته قبلة صغيرة على خده ثم ابتسمت له وانصرفت، وأغلقت الباب وراءها، لتترُكَهُ  مع ما يحتاج إليه أكثر من النوم ...تركته  مع براح  فى صدره .. وقليلا من  الصبر فى نفسه ...الصبر الذى يكفيه لِيستيقظ غدا ويكمل يوماً آخر .......ولعلَّ الله يُحدث بعد ذلك أمرا.

 

*لكل من ترغب في مشاركة الخواطر أو المقالات برجاء التواصل معنا عبر بريد الكتروني: [email protected]

التعليقات