نفيسة الصباغ تكتب مقاطع من يوميات المرأة الشبح (14): أن تعود سيرتك الأولى

 

"قبل كل شي وبعد كل شيء تظل الحقيقة الأبرز التي لم تختلف هي أنني لا أحبني ولم أحبني أبدا حسب ما تجود به ذاكرتي".. كتبتها وفاء على ورقة صغيرة ثم كورتها وألقت بها في الأرض وكتبتها مرارا وتكرارا حتى صنعت من الوريقات تلا صغيرا في ركن الغرفة وجلست تبكي وحيدة دون صوت..
الطلاق ليس سهلا كانت تعرف ذلك.. أن تترك حياة كاملة بحلوها ومرها وتبدأ من جديد.. ليس بالشيء السهل على الإطلاق ربما لو كانت في العشرينات من عمرها لهان الأمر قليلا.. هي بالتأكيد الخطوة التي يجب أن تخطوها الآن وتدرك أنها ليست سهلة.. أن تنسلخ من حياة سابقة وتقف في مواجهة الحياة وحيدة تماما في محاولة للبدء من جديد.
كانت المرأة الشبح تتلصص بالقرب من النافذة وفجأة انتبهت وفاء لوجودها... فزعت واتصلت بجهة ما أو شخص ما لم تدرك المرأة الشبح ما الذي حدث.. فقط وجدت سيارة تقترب من البيت بعد قليل وتخرج منها سحابة بيضاء يدق جزء من السحابة الجرس فتفتحه وفاء وتشير نحوها... لم تفهم كيف تراها وفاء؟؟ بالتأكيد هي لاتراها فقد أصبحت شبحا هي تشير إلى شيء أو شخص ما.. تلتفت المرأة الشبح حولها فلا تجد أي شيء ولا شخص.. تتأكد من أن وفاء تشير إليها حين تتجه السحابة البيضاء نحوها وتحملها وتدخل بها للسيارة..
تحركت السيارة في طريق تعرفه جيدا ولا تعرفه.. تشعر كأنها قطعت تلك الطريق في السباق ولا تتذكر متى ولا كيف أو لماذا.. استسلمت فهي تشعر بالأمان مع تلك السحابة البيضاء التي تحيط بها داخل السيارة..
خرجت من الباب لتجد وسيم وسامر أمامها.. السحابة تفرقت لأجزاء وتقسمت إلى بشر يرتدون ملابس بيضاء.. تنظر بتعجب.. لا تعرف ما الذي جاء بوسيم وسامر هنا.. على وجهيهما ارتسمت مشاعر الحزن احتضناها وقبلاها وطلبا منها أن  تظل هنا لبعض الوقت.. وعداها بالزيارة الدائمة كما فعلا في السابق.. لا تتذكر أنها جاءت هنا من قبل.. ولا يشغلها سوى كيف يراها ابنيها وكيف تحولت السحابة إلى بشر؟؟ وكيف رأتها وفاء بالأساس؟؟ وكيف اتصلت بالسحاب لحملها إلى هذا المكان؟
جاء زوجها حنونا كعادته دائما مسح دمعة غافلته وتوجه إليها قبلها وضمها إليه متسائلا: أخبارك ايه؟؟ حد ضايقك؟؟
نظرت إليه باستغراب وسألته: انت شايفني؟؟ انتوا ازاي شايفينني بعد ما اختفيت؟؟
بكى ورد عليها: لاننا بنحبك فلازم نشوفك.. هنفضل شايفينك لحد ما ترجعي لنا تاني..
أخذها البشر "أبناء السحابة" من يدها برفق واتجها إلى داخل مبنى سار عزيز معهم حتى وصلت غرفتها وتأكد من أنها لا تحتاج إلى شيء وتمنى أن تعود إليه قريبا لتكون معه ومع ابنيهما مرة أخرى.
بدأت تحدث نفسها لم تفهم بعد ما هذا المكان وكيف رآها البشر بعدما تحولت إلى شبح؟؟ وكيف لاتزال تؤجع ابنيها وزوجها رغم أنها قررت تركهم لتضع حدا للأوجاع التي تسببها لهم بجنونها وتقلباتها المستمرة؟ دخلت امرأة ثلاثينية رقيقة تكتسي ملامحها بطمأنينة مريحة.. جلست أمامها بهدوء ونادتها باسمها:
-صباح الخير يا سعاد.. عاملة ايه النهارده؟؟
-انتي تعرفي اسمي ازاي؟؟
-أنا دكتورة أمل واحنا اتقابلنا من سنة تعبتي واستاذ عزيز جابك هنا قعدتي معانا شوية وبعدين خرجتي رجعتي بيتك تاني بس واضح انك رجعتي تعبتي شوية فهتقعدي معانا شوية لحد ما تهدي وتبقي كويسة وترجعي تاني لبيتك
أشعر وكأنني كنت ههنا من قبل لكني لا أتذكر.. أحس بالأمان فلا يشغلني كثيرا فلأتذكر على مهل.. الوقت لا يعني شيئا عندي ومحاولة التذكر ستكون فرصة جيدة لقتل الانتظار القاتل.. ولعلني أكون محظوظة بتحين ساعة رحيلي الحقيقية وأنا منشغلة بمحاولة التذكر فلا أعاني ثقل الانتظار طويلا.
قالت الطبيبة إن عائلتي ترغب في الجلوس معي لدقائق قبل المغادرة وإذا لم يكن عندي مانع فستدخلهم..
مانع؟؟ لماذا تعتقد أنني قد أمانع في الجلوس مع أحبتي قليلا؟؟ لا أمانع بالطبع.. دخلوا ثلاثتهم. أنظر إليهم بحب شديد وأطلب منهم الوقوف سويا بجوار النافذة لتأمل الشمس في الخارج.. يلتفون حولي وأشعر بهم يحمونني من شيء ما لا أعرفه لكنني أحب هذا الشعور بالأمان.. المكان الذي أقف داخله آمن وحولي شبه دائرة من أقرب البشر إلى نفسي لحمايتي.. أقبلهم وأطلب منهم المغادرة فأنا بخير سأنام لأني أشعر بالتعب..
آخر ما أذكره قبل النوم هو وجوههم الثلاثة ينظرون نحوي بطيبة لا نهائية يشوبها الحزن. ابتسمت وأغمضت عيني.

لقراءة الحلقات السابقة:

نفيسة الصباغ تكتب عن تجربة فتاة مع التحرش والانتهاك: مقاطع من يوميات المرأة الشبح
نفيسة الصباغ تكتب: مقاطع من يوميات المرأة الشبح (2)
نفيسة الصباغ تكتب: مقاطع من يوميات المرأة الشبح (3).. عن مراحل التحول والاحتراق
نفيسة الصباغ تكتب: مقاطع من يوميات المرأة الشبح (4).. عن بدايات الإدراك والتأمل
مقاطع من يوميات المرأة الشبح (5).. تلك التي قتلت زوجها
نفيسة الصباغ تكتب: مقاطع من يوميات المرأة الشبح (6).. بين الحب والكراهية
مقاطع من يوميات المرأة الشبح (7).. علامتان فوق وريد نافر
مقاطع من يوميات المرأة الشبح (8) معركة الأمومة
مقاطع من يوميات المرأة الشبح (9) : لملم جروحك يا حزين وامشي
نفيسة الصباغ تكتب: مقاطع من يوميات المرأة الشبح (10).. عش لنفسك ولو قليلا
نفيسة الصباغ تكتب: مقاطع من يوميات المرأة الشبح (11).. هواجس الانكسار والعجز
نفيسة الصباغ تكتب: مقاطع من يوميات المرأة الشبح (12).. يوم خلق الله نور
نفيسة الصباغ تكتب مقاطع من يوميات المرأة الشبح (13): عن الجنس وكيمياء الانجذاب
 

التعليقات