ياسمين غبارة تكتب: شعاع الشمس

 

استيقَظَت صباحاً لِترى ضوء الشمس يُضىء وجهها  بشعاع صغير متسرب بقوه من فتحة الشيش المكسور فى ذلك المنزل القديم

نَهضَت من فِراشها مُتباطئه واتجهت الى المطبخ لِتُعد فنجان القهوه المعتاد الذى تُعدُّه منذ ثلاثين سنه ..تلك القهوه التى كانت تُعد منها فنجانين ثم اصبحوا ثلاثه عندما كبرت ابنتها الجميله ..وها هى تمر الايام لتعد اليوم فنجان واحد فقط ..اما ابنها الحنون فكانت تُعد له الشاى بلبن ...ابتسمت عندما تذكرت مزاح اخته معه عن هذه العاده الطفوليه.....

انتبهت على فوران القهوه ونظرت الى الموقد الذى تراكمت عليه قطرات القهوه الفائره مع الذكريات الشارده وتساءلت عما اذا كانت ستزيلها اليوم ام غدا ...تنهدت ثم اخذت فنجانها الصغير واتجهت الى الصاله ...تلك الصاله التى تثير بداخلها الذكريات فهى صاله كبيره تُفتَح عليها كل الغرف  ... كثيرا ما سَمِعت إسمها يُنادى من تلك الغُرَف ..كثيرا ما فُتحت أبوابها واُغلِقت   وامتلات بالانفاس والأصوات

اعتدلت فى جلستها لتكون مرتاحه اكثر على تلك الاريكه الوثيره التى شهدت كل شىء فهى أقدم قطعه فى المنزل بعد ان قام ابناؤها بتجديد بعض الاشياء ...فها هو التلفاز الجديد والانتريه المودرن بصورهم المحببه على طاولته الانيقه

دلفت الى غرفتها لِتُصلِّى الضحى وبعد ان فَرَغت من صلاتها اخذت تدعو له وتنظر لصورته ...ذلك الفارس الذى بدأ معها  فى هذا المنزل حياه كانت جديده وأدى معها الرساله بحب وخلاف وقرب  وجفاء ولكنها لا تتذكر الان إلا ابتسامته الطيبه وجلساتهم الصافيه وروحه البسيطه التى آنست حياتها وتركتها بهدوء وسلام

رفعت سجادة الصلاه وبدأت جولتها الهاتفيه لِتَتَفقد الأبناء والأحفاد  وتسمع تلك الاصوات الودوده التى تشعرها ببهجة الحياه

وجاء الوقت الذى عادة ما تقوم فيه بالسؤال عن جارتها ولكنها لم تشعر برغبه فى ذلك فارتدت ملابسها واتصلت بابنها ليرسل لها السائق وذهبت اليهم ...

.دائما ما كانت ترتاح لفكرة التواجد بالقرب منهم فعندما تزور قبر أمها وأبيها تشعر بأنها قد وصلت الى اعمق نقطه فى روحها ...تشعر بالراحه كما لو كانت تُصَلِّى   ...

فى رحلة العوده فى السياره كانت حزينه ...حزينه من نفسها ..حزينه من حزنها  ...فهى كانت تعلم أن هذه الفتره من الحياه ستأتى فهى سُنَّة الحياه التى شهدتها فى بيوت من سَبقوها  ..كانت تعلم جيدا أن تفاصيل الحياه التى ازدادت يوما بعد يوم واولادها صغاراً ...سيأتى اليوم وتتناقص   تدريجيا حتى تصبح أقل ما يكون ...كانت مدركه تماما لهذه الحقيقه وحاولت ان تستعد لها   قدر الإمكان  بأن تُكَوِّن صداقات وتَشغَل وقتها بما تحب  الا انها كثيرا ما تمر عليها لحظات مظلمه  يستولى فيها الهم والحزن على  كل مشاعرها.

ارتقت سلالم البيت بهدوء  ..نظرت الى باب جارتها تفكر هل تطرق الباب وتأنس بها قليلا؟ إلا   انها تراجعت عن الفكره  واتجهت لباب شقتها وقبل ان تجد المفتاح  كان ابنها قد فتح الباب يُطل منه بابتسامته الحنون  .... تحدَّث بمرح و سألها عن اشياء كثيره إلا انها لم تسمعه جيدا فكل ما كانت تشعر به هو بابتسامتها تتسع  وها هو شعاع الشمس يشرق على وجهها من جديد.

التعليقات