شيماء الريس تكتب: دورة الاستعباد الشهرية

 

مر سبعة عشر عاما على هذا اليوم، آتتني يومها رغبة في البكاء من الفرحة، قد صرت أنثى، امرأة، كنت أجلس على مقعد الحمام ترتعش مفاصلي من الفرحة بالبقعة الحمراء التي ظهرت في ملابسي الداخلية، ووهج الهرمونات يشعل وجهي بحمرة التشوق للخروج إلى العالم وأخبره أنى قد كبرت .. أصبحت امرأة .

أعدت هذا المشهد في رأسي وأنا أشاهد فيلم عن العبودية، كان البطل أسود البشرة مفتول العضلات جميل الجسد، كان يظهر دامي الكفين وهو يخرج بأظافره من ثنايا خشب سفينة متهالكة مسمار، ليفتح به أغلالا من حديد صوتها يضرب رأسي وهي تتخبط من عنقه ليديه وقدميه ..

ذكرني صوتها بصوت أمي وهي تخبرني أن أخفض صوتي وأنا أخبرها أن الدورة الشهرية قد آتتني للمرة الأولى لكي لا يسمعنا والدي في الغرفة المقابلة .

كان قوي ، وواضح سواد بشرته اللامعة من العرق في ظلمة البحر المُضطرب، خرج من محبسه هو وثلاثة وأربعون رجلا، ليدقوا أعناق مقيديهم، الذين ساموهم العذاب فقتلوا وذبحوا وضربوا إخوانهم على مدى أيام وأيام في عرض البحر، ليسوقوهم إلى الأسواق ليتربحوا منهم ..

فشلت ثورتهم.. هكذا تذكرت ثورتي التي فشلت بدورها، لكنها تركت في أثر، أو قل آثار، من قبلها لم أحدث أحدا أبدا عن دورتي بصوت عالي، وهذا مقالي الأول الذي أذكر فيه بعضاً عنها بصوت أيضاً عالي، ثورتي التي جعلتني أعرف نفسي، ومن وقتها وكل شيء أعرفه عني جعلني أحترم كل ما أعرفه عن الآخر ..

في الفيلم يتكرر مشهد المحكمة والسجن والقيود.. حيث للسياسة كلمة أخرى بخلاف العدل.

تلك المعضلة التي كانت ولا زالت تشوب أي قضية عادلة، تعارض العدل دوما وأبدا مع المصالح السياسية، فإن كان العدل همه الإنسان، فإن السياسة همها الاقتصاد، فمن الذي يحتمل وزر الفشل الاقتصادي لأنه أراد أن يحرر عبيدا سودا ويقضي على استعباد الإنسان لأخيه! مؤكد لن يكون رئيس جمهورية يسعى لإعادة انتخابه.

الفيلم يحكي تفاصيل قصة مجموعة مكونة من أربعة وأربعين رجلًا وامرأة وطفلًا من سود البشرة آتوا على ظهر سفينة اسمها "أمستاد" والتي تُعني "الصداقة" بالعربية، خطفوا بمساعدة خونة من أراضيهم في الشرق البعيد جدا ليتم استعبادهم في الغرب ليخلقوا انتعاشا في اقتصاده!.

وعلى مستوى السياسة يعرض الفيلم نزاع إسبانيا -برئاسة ملكة في عمري تقريباً لما آتتني دورتي الشهرية أو أصغر ربما!- ورئيس أمريكا في وقتها عام 1839 مارتن فان بيورين الذي يتمثل هلعه الأكبر في أن يتحول لرئيس سابق ومرهون إعادة إنتخابه في عدم تحالف الجنوب ضده لو إتخذ موقفا معاديا واضحا للعبودية، وأيضا بريطانيا التي يبدو عليها الجدية في رفع أيديها عن دنس العبودية ولا توافق على التورط في تجارة العبيد عن طريق البحر.

وبين هؤلاء نرى عفن المصالح الإقتصادية للمنتفعين من التجار والسماسرة الذين يتعاملون مع ذوي البشرة السمراء على أنهم شيء أو ماشية يحصون عدد رؤوسهم ويشحنوهم كالبضائع في سفن البضائع وما ثقل حمله ألقوه في الماء ...

لا رابط بين الموضوعين ، لماذا بالله تحدثتِ عن دورتك الشهرية ولحظة بلوغك بجانب قضية العبودية لذوي البشرة السمراء في أمريكا عام 1839 !

هل حقاً لا رابط؟

ربما .. لكنه إرتبط بشكل منطقي أو لا منطقي في ذهني ، لذلك لأكون صادقة كتبته كما رأيته ..

قطرات الدم التي كان ينزفها السود ليحرروا أنفسهم من شر العبودية ، تشابهت مع تلك في سروالي ، لحظات التغيير والتحرر كلاهما مؤلمة ، تذكرني بآلام الحيض التي تعانيها النساء شهريا ويكتموها خضوعاً لعبودية مستورة أحيانا ومكشوفة كثيراً، عبودية وقحة وشرسة نواجها بجهل في الأغلب وبقوة في البعض.

أما هم، هؤلاء الأربعة والأربعون، كان أغلبهم منكسي الرؤوس، خائفين، خاضعين، إلا إثنان، أحدهما رفع رأسه لرؤية الصليب، الذي ينتظر أن يصلب عليه وهو راضي لأنه سيلاقي المسيح، المسيح الذي عرفه بالرسومات وحدها دون كلمات، أحب فيه محنته تشبه محنه، وأراد أن يلحقه إلى ما آل إليه أمره بعد العذاب الدنيوي الذي بلا معني ولا مبرر كالذي يلحق به .

أما الثاني، فرفع رأسه ليواجه الأسد وكل ما يملكه "حجر"، غير شجاع ولكن خائف، غير بطولي ولكن ضروري، كان هناك أسد سيلتهمه، وكان ما ملك "حجر"، فكان الخيار الوحيد أن يلقيه كل قوته..

الصراع كله كان مربوطا بالسياسة التي  هي بدورها مربوطة بالتجارة، سلعة رائجة تؤدي عنهم الأعمال القذرة وتخدمهم دون مقابل، توفر عليهم عناء دفع أجر مقابل ما يطلبونه من عمل ولا يحاسبهم أحد فيم يفعلوه بهم، والمبرر الأوحد لكل هذه الوحشية التي مُرست سنوات ضد الأفارقة أنهم "سود البشرة" وكأنها ليست طبيعتهم وكأنها شيء عليهم أن يخجلوا منه ويخفوه ، وكأنها شيء نحت على جباههم كلمة "العذاب" طول عمرهم ..

صراع لم يساعد محامي المسيح في حله ، فهو من الواضح من نهاية المسيح معلق على الصليب لم ينجح في قضيته ، ولن يساعد فيه آخرون لو لم ينتفضوا هم ويتحدثوا بأنفسهم ، حاملين صلبانهم فوق أجسادهم مطالبين بالحرية والمساواة .. ولو كان كل ما يملكوا حجر يلقوه على رأس الأسد ..

هذا جسدي وتلك طبيعتي ، أنا امرأة أحيض كل شهر ولها ما تسببه من آلام لكن لا تبرر أي اعتداء أو أذي نفسي أو خجل ينتج عنها، وهؤلاء سود البشرة كما دافعوا عن حقوقهم بالحجر في وجه الأسد علينا أن نفعل أيضا.

 

*لمشاركتنا النصوص الإبداعية راسلونا على بريد إلكتروني: [email protected]

 

 

التعليقات