ريهام رأفت سليمان تكتب: سيمفونية مجهولة قابلة للفهم والاكتشاف

 
ربما كانت الحياة ولا تزال سلسلة متواصلة من المعارك، سلسلة لا تتيح لنا السؤال عن نهاية محددة لها، أو تفسير واضح، وربما هي مزيج منفعل ومتفاعل، تمامًا كالنفس في الجسد، 
كنت دائمًا طرفًا وحيدًا في معركة ذاتية، 
طرفًا وحيدًا عالقًا بين الربح والخسارة، معركة ستقف لي كشبح في نهايتها أو في الوقت الذي تحدده هي لتقول لي أن الأمر كله كان بيّدي، وتُلقي على كتفي ثقل مسئولية كاملة.
 
وكنت أيضًا طرفًا مقابل آخر في معركة ثنائية لم تكن مُنصفة يومًا، آخر تمثّل أحيانًا في الحياة، وأحيانًا في الزمن، مع ترك قوس التمثلات مفتوحًا لإضافة المزيد.
 
لم يكن الأمر يحتاج سوى وعي بالحالة والذات، وعي بأنني لن أراهن بقلبي مع الحياة، ليس لأنها غير مضمونة، بل لأن شرعية المواجهة مع الحياة لا تتم إذا كان القلب طرفًا بها، القلب إذا دخل المعركة لا يخرج كما كان، إما صلبًا وإما لينًا هشًا وإذا صادف أن لم ينل منه أيّ الحدين، خدشته العوامل و جرحته الظروف، جراح يطول شفاؤها.
 
ووعي آخر أنني لا يمكنني الهروب، مهما قطعت من مسافات، ومهما تجمّل الوهم أمامي، 
لا يمكنني الهروب من ذاتي أولًا، ومن الآخر ثانيًا، الآخر الذي تنكرت له الأماكن والصور، والطرق، والذكريات، وأشياء حاولت الهروب منها جملةً، 
أهرب كي لا أخاف وأنا خائفة، كأنني بشكل يثير السخرية أهرب من الإحتلال وأنا غارقة به،
وإذا قُلنا لماذا الهروب من الأساس؟ أقول لأننا نخاف التغيير مهما رغبنا فيه،  التغيير رغم حُسنه، يكون مفزعًا حين يكشف لنا عن أنيابه خاصةً حين يكون بعد غفلة. 
 
ورغم ذلك، كان لهذا الخوف مادته المضادة، التي تنبجس من عمق الوعي والمواجهة، 
كان صحيحًا ما علّمته لنا الأيام أن وعينا بالعالم الخارجي، يبدأ من وعينا بعالمنا الداخلي، حتى ولو كان ما يدور به مُبهم، أو منقسم، ومشتت، وبلا قصد في الترتيب، والبناء كانت تلك الثلاثية تلوح لي وتلمع في الأفق بوضوح كان كافيًا لأراه، 
أن نعيّ ونواجه ثم نقاوم، نقاوم بشرعية تامة، حتى في الوقت الذي تصفعنا الحياة وتستخدم لاشرعيتها في التعامل معنا، هو التفسير المنطقي الوحيد الذي يمكننا صياغته في هذه الحياة، إذا كان هذا هو عزفها وكان  بالنسبة لنا  سيمفونية مجهولة قابلة للفهم والاكتشاف، 
فالنرقص إذن على نغماتها كما هي ونبدع في رقصتنا، ربما نكتشف جديدًا يصيب الهدف المقصود.
 
التعليقات