منة شرف الدين تكتب: شم النسيم حرام!

كحلم غير واضح المعالم، مشاهده باهته، سريعة، متلاحقة، أتذكر جدتي، أم أمي، دكتوراه في الكيمياء الحيوية، وصلت لسن الجدة ولم تغط شعرها، تسكنها روح مصرية لم تتلوث بفيروس سيجتاح بلدها بعد ذلك بسنوات قليلة. تلك الجدة شديدة الجدية والوقار، كانت تدعو حفيديها وتشاركهما «تلوين البيض» في شم النسيم، بينما كانت الأم تمتعض، وتعلن تحفظها، وتداهن الجدة بمبدأ «وبالوالدين إحسانًا»، ولا أبالغ لو قلت إنه من باب «وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعمها وصاحبهما في الدنيا معروفا»، وتسر إلى طفليها مرددة: «شم النسيم بدعة، للمسلمين عيدان فقط هما الفطر، والأضحى، بعدين ده عيد النصارى».

أعتذر عن هذه النغمة «النشاز»، كم كنت أود لو تحدثت عن الألوان، والبهجة، والدفء، والزهور، والضحك، وازدهار الحياة، وأسعد لأن غالبية المصريين لا يزالون يعزفون تلك النغمات بتلقائية تتعجب كثيرًا من كلامي، وقد تعتبره «مبالغات غير حقيقية»، لكنه للأسف حقيقي، وهو كالسرطان الخبيث يتسرب داخل العقول والقلوب، حتى أني أصبحت أخشى، وأرى، فيما يرى المستيقظ، أن نصحو في يوم ربيعي فنجد فرمانات تمنعنا من الغناء، وتأمر بإلقاء القبض على صلاح جاهين، ومصادرة الشمس!

صديقي، قم بتجربة بسيطة، وليكن في مكان عملك، اسأل زملاءك باختلاف مستوياتهم الثقافية عن رأيهم في الشيخ أبو إسحق الحويني، لا تندهش عندما يشيد به نصفهم تقريبًا. أحدهم سيقول لك أنه «من أفضل أعلم علماء الحديث» أو أنه «رقم 1 في علم الحديث»، أو «شيخ محترم ويقول الحق» أو من يتشكك في نواياك ويسألك عن سبب طرح السؤال، ثم يتهمك بأنك «مُغرِض» تريد «هدم ثوابت الدين»!

الآن تستطيع أن تتعرف على موقف الشيخ ابن محافظة كفر الشيخ، المتتلمذ على أيدي شيوخ السعودية المعروفين الألباني وابن عثيمين، صاحب هذا القدر من التأييد الشعبي، وما يترتب عليه من الثقة في آراءه، من الاحتفال بشم النسيم، وهو موثق بالفيديو ومتاح، هو وغيره من فتاوى شيوخ السنة المشهورين، بل والمحبوبين، في مصر، مرئية ومكتوبة، على شبكة الإنترنت، رضي الله عنها.

يقول الشيخ نصًا: «قد حرم جميع العلماء مشاركة المشركين في أعيادهم، وأثموا فاعله. مين اللي بيطلع الحدائق يوم شم  النسيم؟ من الذي يملأ الطرقات؟ أليس هؤلاء الغافلون، اللي هو حق من الله عليهم أن يضرب عليهم الذل والعار لأنهم ما يستهلوش غير كده».

ويضيف- نصًا أيضًا-: «أطلع يوم شم النسيم أعمل جولة عشان أبص ألاقي منتقبات في الشوارع ماسكين عيالهم ورايحين الحدائق، يطلع إيه ده؟ أين أزواجهم؟ إزاي المرأة تبقى منتقبة وتطلع تشم هوا في اليوم ده؟ مش قادر أفهم الموضوع ده».

الشيخ الذي لا يستطيع تصور «إزاي الناس تشم الهوا» يطلق هذه الفتوى العبقرية: «يحرم على أي بائع، عند العلماء كلهم، أن يبيع في هذا اليوم أي مطعوم يقوم به هذا العيد، فلا يجوز بيع البيض، ولا بيع الرنجة، ولا بيع الفسيخ، ومن فعل ذلك فهو آثم وكسبه حرام». وهو نفس الشخص الذي أفتى بوجوب ختان الإناث، وبإثم من لا يقوم به!

بيننا وبين الظلاميين معركة «ثقافة» قبل أي شيء، هؤلاء لم يفرضوا على بعض المصريين أفكارهم بقوة السلاح، ولكن بقوة الكلمة، والأفكار لها أجنحة، للأسف خيرها وشرها. نحن نمارس التأمل والتفكير والتجديد، وهم يغمضون العيون ويجرمون التفكير ويخشونه، مرددين «تابعين لا مبتدعين».

بيننا وبين قساة القلوب معركة «حب»، يؤمنون بـ«كراهية مقدسة»، إن جاز التعبير، يتقربون بها إلى إله، ونؤمن بحب فطري لا أول له ولا آخر، لا نبذل مجهودًا في استحضاره، كما يجاهدون هم أنفسهم لاستحضار الكراهية ونبذ «الحب المحظور»، في نظرهم.
***
-  الرقص اللي أنتوا بترقصوه ده، هترقصوه في نار جهنم.
- والله ده في علم ربنا، لكن جهنم بتاعتك أنت خلقتها هنا عالأرض.
«المصير- يوسف شاهين»

التعليقات