دينا يسري تكتب: البنجر للون وردي شهي

 
 
 
منذ ما يقرب من تسع سنوات وأنا لا أحتفل بشم النسيم ليس لأن البعض يفتي بحرمته من عدمه بل لأمر رحيل جدتي لأمي.
 
فهُناك أُناس مهما رحلوا لا تنقطع سيرهم. وجدتي على رأسهم.
 
فمنذ أن فتحت عيني على الحياة وخبأتني في حضنها الدافيء، أدركنا جمعينا أن هذا اليوم يخصها وحدها، ترتب تفاصيله كما يحلو لها ونحن ما علينا إلا الاستسلام في حب تؤرجحنا المتعة على الجانبين كما لو أننا على جناح حمامة تلهو بنا عبر السموات.
 
جدتي سفيرة البهجة كانت تقول لي في أيامها الأخيرة لا تكتبي عني إلا حين أرحل، هي لا تعلم مدى سكونها في كل تفاصيل حياتي.
 
وهذا اليوم من الأيام المميزة جدًا فكانت تستقبلنا قبلها بليلة نسهر في شرفتها تحت ضوء القمر الخافت والنجوم المتلألأة ومن ثم نستيقظ باكرًا لنستمتع بتلوين البيض على طريقتها الخاصة.
 
كانت محبة للطبيعة فورثت منها حبي للألوان. أسمع صوتها في أذني وهي تقول
 
- البنجر للحصول على لون وردي شهي، الكركم للون الأصفر، والشاي الثقيل للون الأسود، والكثير من النعناع للون الأخضر.
 
وعلى الظهر نخرج في مجموعات لمكانها المعتاد لحديقة النزهة المكتظة بزحام يفوق زحام القاهرة على كوبري أكتوبر وقت الذروة.
 
نفترش الأرض بملاءاتها البيضاء النظيفة ذو الرائحة الطيبة، زجاجات المياه والعصائر والسفن أب في انتظار احتفالاتنا، الخبز الساخن والجرجير الصابح والليمون على الأطراف وفي الوسط أسماك الرنجة والفسيخ والملوحة نغتنم منها.
 
تحت دفيء الشمس تجلس لتستريح تخبرنا عن فرحتها بتجمعنا حولها. ما أجمل هذه الأيام وما أشد حاجتي لها منذ وفاتها تباعدت التجمعات حتى أختفت.
 
ماذا لو أُخذ مني كل شيء وعادت فقط لسويعات لنحتفل وأخبرها عن تفاصيل مملة لا تهم أحد مثلاً كأمر صديقة بعيدة افترضت أنني لم أحب رواية ما ربما لأن عندي مشكلة في التخيل.
 
صديقتي تلك لا تعلم أنني رُبيت في حضن من كان يقف لها الخيال خجلًا.
 
جدتي الحكاءة كثيرة المعرفة كانت تحكي لنا عن هذا اليوم وكل صباح حكايات مختلفة.
 
ولمن يسألني ماذا سأفعل في هذا اليوم سأستعير صوتها وأنا ألون لصغيري البيض وأخبره أن البنجر للون وردي شهي جدًا.
 
*لكل من ترغب في مشاركة الخواطر أو المقالات برجاء التواصل معنا عبر بريد الكتروني: [email protected]
 
التعليقات