هبة الهواري تكتب: جناحان بلون البرتقال‎

حكيت لصديقتي عنك، عن وجهك الجليل وابتسامتك الهائلة، عقدنا العزم أنا وهي أن نصعد إلى نهاية برج الأجراس في الكاتدرائية، وأن تعترف كلٌ منا باسم حبيبها هناك عند حضن السماء، هي رشيقة، وأنا ممتلئة، سبقتني في الصعود، لكن صوتها كان معي يضحك ويهددني: اطلعي يا دكتورة وإلا هأقول للعريس إنك عجزتي ومش قادرة توصلي القمة.

واصلت الصعود، انقطع نفسي تماماً، توقفت وملابسي أثقلها العرق، اعتقدت أنني لن أستطيع الصعود أكثر من هذا، فقدت القدرة على العد، ونظرت من النافذة الملتوية مع الجدار الحلزوني الصاعد، وجدت العالم بعيداً والنزول أيضاً مستحيل، كيف أصعد كل هذه المراحل ثم أنكص؟!

أريد أن أرى النهر وجزيرة الراهبات، وطرقات المدينةِ العجوز، أريد أن أبحث عن وجهك بالمنظار، على جسر العاشقين، أريد أن أبتسم مثلك ابتسامةً تحتضن العمر، وتغفرُ كل ما كان.

أريد أن أحكي لك حين أعود عن لحظةِ انطلاق الأجراس ونحن هناك، وظل الكاتدرائية المهيمن، والشبع من ذكرى العناق والظل الحنون، يجب أن تكتمل صورة العاشقة الجسور، لابد وأن تحملني ركبتي حتى قمة البرج، صعدت وراء ضحكة أمل، وأفواج الصاعدين، الدرجات تغيرت ألوانها، رائحة الهواءِ أصبحت باهرة.

ظلت أمل تسابقني حتى لم تعد هناك درجات نرتقيها أكثر من هذا، ضحكنا وهنأتني وأصبحنا طفلتين خفيفتين وصلتا بنجاحٍ إلى السماء، وكنا صوب كتف العذراء وعباءات القديسين، وأجنحة الملائكة، كنا نتقافز في الطريق المستدير ونتحدث بصوتٍ مرتفعٍ، أكثر من كل الصاعدين المنتصرين مثلنا.

شاهدت وجهك العنبري لأكثر من لمحة في طرقات المدينة الشمالية، ارتفعت درجة الحرارة كما لم يحدث من قبل، وأشرقت الشمس في المدينة وحين صعدنا متأخرتين إلى قطارٍ مختلف عن المدرج في بطاقات الشركة، وقفنا مذعورتين، وحكيت للمفتش المتجهم حكايتنا في محطة القطار وكيف تركنا بقية الأصدقاء عالقين، نظر إلى وجهي، وصورتك في القلادة، ووجه أمل الطفل، وغفر لنا فوضانا العارمة، وسمح لنا بالبقاء في قطاره الأنيق.

أنا الآن أكتب إليك والغابة الحسناء ترفل عن يميني وعن شمالي، ونحن نستغرق في بهجةٍ خضراء ليس لها نهاية، أنا أيضاً تلقيت المساعدة من أحد الركاب المتأنقين، فلقد ملأت حقيبتي بكتب ومجلدات ونشرات تاريخ الفن الحديث كله وعصر النهضة وما قبلها فأصبحت أثقل من صخرة سيزيف، المضيفات عند البوابات يبتسمن لتلك المسافرة التي تحتشد بالأوراق والكتب والشوكولا، قائد القطار يشبهك، والكاردينال ذو الحلة الحمراء وراء الحجاب الخشبي أيضاً كان يشبهك، والأقفال العتيقة التي بثها المحبون قرب الضفة الحانية كانت موشومة باسمك، أنا أصبحتُ فتاةً تشبه صورة ابنتك أو ربما أمك، ولكنني أسعى بين البلاد ولي جناحان بلون البرتقال، وعينان جديدتان تماماً، وسبعة أرواحٍ جنوبية وأما صندوقي الجريح فلقد نسيته في الميناء، وارتديت عقداً من عقيق كنت قد أهديتني إياه عند جبل الملوك، ربما أنت نسيت ملامحي الآن، لكنك حاضرٌ جميلٌ عميقٌ، والبناء المستبد بالزمان والمكان كان أنت.

التعليقات