رانا ناصر تكتب: يأس أم ثورة؟!

 

أتعرف ما هو أحط شعور يمكن أن يعيشه أي إنسان؟ الشعور باليأس، لأن اليأس دوامة تلتهمك شيئا فشيء، اليأس شعور بالاستسلام، وقلة الحيلة، والمعاناة مع الذات والافتراء عليها بما ليس فيها، به تبات روحك مهترأة لا تنتابها أحاسيس أخرى، تفقد الروح ولعها بأدق التفاصيل التي تسعدها وتشعل من حماستها، تصدأ كل مفاتيح الأمل من قلة استخدامها، كل هذا يحمله اليأس بين أنيابه.

ما إن يبدأ الإنسان بالتخبط في بداية حياته العملية، وتبدأ كل الظروف تجتمع ضده فتهتك بحلمه وتعرضه للتلاشي، فينقسم تفكيره في عوالم كثيرة، وأول ما ينخر في رأسي  عالم الظروف المادية، حيث أن أهم ما يبقي الإنسان على قيد الحياة هى المادة، فهو كأي إنسان يحتاج إلى أن يأكل ويشرب ويمكث في مكان يأمن فيه على روحه، فنتحدث سيدي عن أبسط حقوق الإنسان التي أصبحت عند بلوغه إياها حدث يحتفى به.

وهناك العالم الخاص بحلمه والذي من قبل خروجه للحياة العملية يغكر في فقط متى يخرج حتى يبلغه؟ ظنا منه أن الحياة ستعطيه إياه على الرحب والسعة ولكن الأمر أعقد من هذا بكثير، فإن لم تكن تنام وتستيقظ على التفكير في حلمك هذا فلن تكون جدير بتحقيقه، إن لم يكن لسانك يحب ويقتنص أية فرصة للحديث عنه، هذا معناه انك ليس لديك الشغف الكافي كي تحارب من أجله ويصبح جدير بك اليأس عند اول كبوة.

ثم أصعب هذه العوالم، عالم الضغوطات اللانهائية والذي يمسك بزمامها كل من حولنا تبعا لمقولة "الفاضي يعمل قاضي" فهؤلاء كل ما يقدرون عليه هو احباط سيادتك مع كل خطوة تخطوها، طوال الوقت تنهال عليك تعليقاتهم السلبية والمستفزة، ويصبوا فشلهم وخيبات آمالهم عليك انت، وقتها كل ما يشغل عقلي أسئلة مثل هل الفراغ يملأ حياة هؤلاء لهذه الدرجة حتى يتركوا حياتهم التي يعيشونها ويأتوا ليظلموا حياتي بأرائهم المتهتكة؟! ولما يفعلوا كل هذا، خوفا علي؟! ام ليوقفوني عند نقطة لا أستطيع أن أتخطاها مثلما حدث معهم في حياتهم؟!

كل عالم من العوالم الثلاثة هذه كفيل أن يبقينا مكاننا، في مربع مغلق الأضلاع يدعى اليأس، مربع مظلم للغاية لا يوجد به نافذة للنور أو مفتاح لأية ضلع، فما إن نصل لليأس تحل العتمة، ويسود الضباب، ويزداد الأمر سوءا على سوئه، الحياة مع اليأس حياة يعيشها جسد دون روح تميز الجيد من السئ، والسئ من الأسوأ، فالإنسان اليائس تستوي عنده الحياة والموت حيث أن الميت لا يفعل ولا يشعر ولا يفكر بأي شئ كذلك اليائس هو إنسان بائس يستحق الشفقة ممن حوله ولكن بحد معين لأن جزء مما هو فيه سببه سرعة استسلامه، ورغبته في مغادرة حلمه يهوي، هو إنسان استعظم عليه الأمر فترك له الجمل بما حمل وذهب، إنسان ظل يؤجل اجتلاب نصيبه من الحياة بحجة أن العمر مازال فيه بقية لكنه لم يكن يعلم أن البقية هذه يلزم لها أساس تبنى عليه حتى تستقيم فيما بعد.

 فالأمر غريب!! ماذا عننا نحن بني البشر؟! نريد كل شئ ولا نفعل أي شئ، ننتظر اليوم التي تأتي فيه الحياة تحت قدمنا على الرغم إننا نعلم جيدا أن هذا لن يحدث، وحتى الثائرين منا بداخلهم ثورة مؤجلة على غرار ما قاله الفنان ابراهيم يسري -رحمه الله- في فيلم ثقافي خلال المشهد الذي جمعه بالشباب الثلاثة أبطال العمل في منزله فقال لهم "السن اللي من حقك تبتدي فيه حياتك وتحقق ذاتك هو سن العشرينات، انت ليه بقى مسامح في حق نفسك ومأجل التمرد والزعل من الدنيا لسن الاربعين" حقا هذا ما نفعله جميعا من جيل اليائسين البائسين، دائما ما نقف عند عالم من العوالم الثلاثة ونهتف أنه هو ما يعوقنا، ويقف سدا منيعا بيننا وبين تحقيق ذاتنا، والحقيقة أن هذا السد كامن بداخلنا قبل أي شئ.

 والحل بسيط لتحطيمه، أتعلمون ماذا؟! شاهدوا أفلام السينما، نعم شاهدوا أفلام السينما، ثم ماذا؟! ثم استمعوا للموسيقى، لأن الدواء يكمن داخلهما، في السينما تعيشوا تجارب اليائسين من قبلكم وتتخذوا العبرة، تشعرون بما شعروا قبل أن يصلوا إلى نقطتهم هذه، وترون إلى أي مدى وصل بهم الحال بفضل سلبيتهم، وفي الموسيقى تلتقون بالروح التي بات الجسد دونها وعاش في هالة من اليأس، بعد أن تشاهدوا وتستمعوا ربما تتحول تلك الهالة بل من الأكيد أنها ستتحول إلى هالة نور، تتخذ شكل المربع مرة أخرى وإنما هذه المرة مربع ينقصه ضلع.

التعليقات