نادين بدراوي تكتب: بين الوله والنوم

** من رسائل الهجر و التعافي

أتذكرك كثيراً يا عزيز كلما يلتهمني الشوق .... وأحمل افتقادي لك و أذهب لزيارة باب منزلك و أتحدث معه حتي أفقد القدرة علي الكلام وأنزف دمعة واحدة من أجلك ثم أرحل. لم أعد أعلم كيف أتعاطي مع الحياة .. كيف أستوعبها قبل أن تسحقني. أثبت التاريخ وأقوال شهود العيان أنها ليست عادلة وأن الأمل علي عكس ما يروج له ليس كافياً. أستيقظ أحياناً كثيرة وأسأل نفسي ما الذي يبقيني هنا؟ علي قيد الحياة ومن قيدني و لماذا؟
إنه ليس سؤالاً وجودياً يا عزيز.. لم تعد الأزمة في الأسئلة فقد تأهل الزمن لتجلي الحقيقة في كل صوره وأحداثه. إستقر اليأس بين اللحظات وفي الأرواح اليأس الحتمي الذي ليس بالضرورة أن يكون قاتماً ربما زاهداً.. أصبح هناك وجه واحد للظاهر والباطن .. وجه قبيح ولكنه إعتيادي. التعبير لا يساوي حجم الشعور والشعور لا يساوي حجم التجربة. الأجوبة تحاصر المكان و تلح علي ضرورة توقف الوجود والزمن .. موتهما ... فنائهما نهائياً ... وما هو الوجود؟ أهو الحياة؟ وما هو الزمن؟ أهو الله ؟ وما هي المسافة؟ أهي الإجابة؟
أقابلت يوماً يا عزيز هؤلاء الناجون من الحقيقة من إقتراب الصورة الممسوخة .. أتعلم أين يسكنون؟ وكيف يحتمون من الحتمية؟ الذين إذا أصابتهم حقيقة مدحوا حالة الجو و قالوا يا لعدالة السماء. بما يوحي ذلك عن اليقين؟ عن الإيمان؟ عن الرضا؟
وكيف ننجو من الحقيقة؟ حقيقة تفتتنا شيئاً فشيئاً كيف نتخطاها دون إنكارها؟ كيف نعيشها دون التأذي منها؟ كيف أتجاوز حقيقة شوقي الأبدي إليك؟  الشوق الذي أفقد حق التعبير عنه يوماً بعد الآخر حتي تكاد تنعدم فرص اللقاء مجدداً.
ذاق الحب من ذاقه ومن كهوفهم الدافئة صرخوا أنه لم يعد مُسكناً كافياً أو ربما لم يعد مُسكناً أصلياً غلبه الغش كأي سلعة أخري كأي وهم آخر. أمازلت تمدح الإستغلال المتبادل يا عزيز؟ أما زلت تؤمن بالحب بالرغم من امتناعك عن ممارسته؟
أنا مكلومة يا عزيز... ومنتهكة للغاية ... فقد غلبت السريالية علي ترتيب ذكرياتنا معاً كقصاصات صور عبث بها طفل غاضب ولا يعيدها إلي أصلها سوي أسف هذا الطفل وأسف أسرته .. أسفي وأسفك... ألم تعدني أنك أسرتي؟ أنا امتهنت الأسف فأين أسفك؟
ليتك تعلم ماهية الوله الذي أصابني .. الحركة الشعورية التي تحمل الأسف وتستوعب الألم والأذي والجوانب المظلمة وشدة حزنها التي قد تذهب العقل. تحير الحب والفزع والحنين علي مهل والحمي الهادئة التي لا تستدعي التلاحم ولا النفور. حتي الآن يا عزيز لم أنفر منك لحظة واحدة رغم تحطيمك لمعاني كثيرة بداخلي رغم تشويهك لعيوني وغلاظة أقوالك علي مسامعي رغم قسوتك وهزيمتك ... ما زلت أتفهم.
ليتك تعلم أن الوله أقوي من الحب لأنه يعيد تشكيل ذاته عشوائياً من خلال التجارب لا المشاعر ولا ينتظر محاولات تعريف لأنه بني علي معرفة علي شئ من التيه المدروس والمقبول. ليس له مستقبل متزعزع لأن باطنه رحمة عامة استنبتت خصوصيتها من التفاهم التبادل لا الإنبهار أو الإعجاب. أنت تعلم جيداً أنك لا تعجبني ولكن هذا لم يمنع حبي ثم ولهي.
أدركت مؤخراً أن ولهي لا ينتهي سوي بنهاية الأسف وهي اللحظة التي أفقد فيها رغماً عني وعي التألم من أجلك. لا راحة لولهي سوي بتسلل النوم إلي قلبي حتي يغلبه الثبات العميق حيث تغيب الإرادة مع الوعي. وأدركت أنني لم أعد أحبك بعدما تملك مني الوله الذي تركني في حالة من الإكتراث الدائم بما آلمك ويؤلمك و سيؤلمك بما تركته خلفك وبداخلك من حزن وبجروحك التي لم تشفي بعد وبهروبك المتكرر من لمسها ومن كل أشكال الحميمية المستدامة. ما زلت أشفق عليك من نفسك ومن برودك ومن حرارتك ومن مللك استهتارك بمعاناة الآخرين ومن رؤيتك المحدودة للأمور ولكنتي مازلت أتفهمها تماماً.
أفتقدك كثيراً يا عزيز ولكني لا أريدك بجانبي أريدك بعيداً لكن بدرجة تتيح لي الإطمئنان أريدك وحدك لأن ولهي واستهتارك قد يحرقانا معاً. أريد أن نحيا بدون بعضنا وأن أخرج إلي الشرفة القابعة في البناية المجاورة لك وتحمل الرياح لي رائحة ملابسك المغسولة ومع طلوع الشمس تجف ملابسك وتزول الرائحة ويغلبني النعاس حتي يزول أسفي وأستريح وتستيقظ أنت مع إمرأة أخري تحبك ولا تكتفي أبداً بوجودك وتشعر بالأسف نحوي ونحوها ونحو ما آلت إليه الحياة. أريدك أن تعيش مع هذا الأسف وتتجرعه وتقبله لأنه دليلي الوحيد أنك أحببتني يوماً ما وأنه قبل أن تعتاد أنفي علي رائحة ملابسك اعتدت أنت علي طلوع الشمس وأنا بجانبك واعتدت ان تتوهم بحبي وبرغبتك  في بقائي وبتمسكك بي واحتمائك في وبتجذيرنا معاً. وأعدك أن أتوهم حبك في المسافة الزمنية الضئيلة المتبقية بين الوله والنوم وأن أحمل أسفك بداخلي جنيناً وحيداً لالتقائنا وأعدك أن أنام علي أمل إحياء الأسف.
 

التعليقات