سحر عبد القوي تكتب: المُعَلّمون لا يعرفون الراحة

غدا سيكون لي موعد مع الطلاب. أشعر أنني تلميذة عليها استذكار الدروس لأنها ستُمتحن من قبل مُعَلّم لا يرحم_ هو استيعاب الطلاب. لا أعتمد أبدا على ذاكرتي وقريحتي التي انتفخت بعد عشر أعوام من دراسة الإنجليزية بتخصص والحصول على الماجستير فيها. دائما قبيل اللقاء أشعر أنني كائن صفري يحتاج تدريبا لينتقل من الصفر إلى الواحد الصحيح. ويا حبّذا لو نجحت في تحويل صفري إلى جوار رقم ما على اليمين. يبدو ذلك بعيدا بالنسبة لي.

الوقوف أمام الطلاب اختبار يخيفني كل مرة مهما كان نوع المنهج المطلوب تقديم مادته. خفيفا كاللغة الإنجليزية لغير المتخصصين. أو أكثر تخصصا أو أبعد من التخصص حتى. أذاكر للمحاضرة كأنني أتهيأ لسيمنار أمام أساتذة. نفس الرهبة. نفس الاستغراق في كيفية تقديم المعلومة. بيد أنني في السيمنار يكون خوفي أقل لأنني مدركة أنني إن لم أُوَفق في الطرح سيكون هناك من يفهم ارتباكي ويعرف أن المعلومة برأسي وكل ما في الأمر أن لغتي خانتني وفشلت في الصياغة. أو سيكون فاهما أصلا. وقد يكون بجواري من يُقيل عثرتي إن أنا تلجلجت ونسيت وأصابتني التوهة التي تصيبني منذ سنوات فأنسي ما الذي نويت قوله. أما أمام الطلبة أقف وحدي أمام عقولهم. الوقوف أمام العقل صعب.

أشعر بشعور أنثي الطائر الأم التي جاءت إلى العُش حيث أطفالها فاغرين أفواههم في انتظار الطعام. تحتار كيف تبدأ ومن الذي ستحشو فمه أولا. ومن مازال جائعا. هكذا أنا أمام العقول الفاغرة. واسأل نفسي هل أحسنت إشباعها؟ هل أديت حقها عليّ؟

التعليم الجامعي تتمحور فكرته في تعليم الطلاب كيفية تعليم أنفسهم. أن تجعلهم قادرين بعدك على اكتساب المعرفة، على البحث، على التمييز بين الغث والسمين، على تحكيم عقولهم. أشعر حيال هذا الهدف بشعور أب يخاف على أبنائه من الدهر وتقلباته. ويسأل نفسه هل سيحسنون العيش وكسب الرزق بعد موتي؟ أم سأموت محسورا بخوفي عليهم وأتأرّق في برزخي بانتكاساتهم الدنيوية. كأب يشعر بالمسئولية ورغم ذلك هو قليل الحيلة عاجز لا يملك من الأسباب إلا القليل. هكذا أشعر أنا.

يتململ طلابي إذا استطال وقت لقاء الدرس لأنهم لم يعتادوا معلما خائفا مثلي ولم يألفوه. يحسب للقائه بهم الحساب ويسأل نفسه بعد كل مرة: هل وُفِّقت في سعيي يا رب؟ وهل تمكنت من أن أدرأ عني نفسي دنس خطيئة فشل المنظومة الكلي بجهدي الفردي؟

قبيل المحاضرة اسرح بعقلي بعيدا وأنا أُفَتِّش في عقلي عن موضوعات ادفعهم للبحث فيها والكتابة عنها وهم يتدربون على كتابة المقالات. واسأل نفسي عن الهدف. كمعلم يُحضّر أهداف الدرس في كشكول التحضير. أكدس أنا أهدافي في عقلي المزدحم دوما وأجعلها نُصب عيني. أريد أن أفتح لهم نافذة على الجانب الآخر من عالمنا المُعاش. أريد أن آخذهم في جولة لعوالم ما كانوا ليدركوها وحدهم. أريد أن أحدثهم عن القضايا الكبيرة بدون أدلجة. في الجامعة نحن لا نمارس التعليم نمارس التنوير. نسلط ضوء كاشف على كل المسالك وندع كل يسلك مسلكه ويختار مصيره. أحد في الجامعة لن يذيب لك محتويات المنهج في كوب ماء ويقول لك اشرب كما يفعل مدرسين المراحل السابقة ويمسخون عيالنا. بل نذيب لهم أساليب تحصيل العلم ونقول لهم هيا علموا أنفسكم. لا نسلك معهم الطريق ولكن نمنحهم عِدة وعتاد ليسهل الطريق. وأود لو أختصر لهم الطريق ولا أفلح.

أفرح بعد كل لقاء مع الأولاد كفرحة عيّل أنهي واجبه. وأكافئ نفسي لأنني تغلبت على احتياجي للنوم في ساعات الصباح. وعلى حُبّي للكسل. وعلى حرارتي المرتفعة التي جعلتني أقف على باب الصيدلية أطلب من الطبيب دواء وأبلعه قبيل أن نبدأ كي لا تداهمني أعراض احتقان الحنجرة فأفشل في توصيل صوتي للطلبة الفاغرين عقولهم في مواجهتي وفي ظل تعطل المايكروفون. وأكافئ نفسي بعد انتهاء اللقاء بنزهة تحتاجها أعصابي التي احتشدت ضدي طيلة أسبوع اختلط فيه شأني العام بالخاص وارتبكت حساباتي كلها. وأكافئ نفسي لأنني تمكنت من الترفع عن أوجاعي الخاصة وأديت عملي علي أكمل وجه.

كمُعَلّمَة: حان موعد عُطلة نهاية الأسبوع فحان معها وقت الانكِفاء على أوجاع الروح والبدن ومهامي الأكاديمية الخاصة وحشو عقلي بالمزيد والمزيد كي يجد أبنائي الطلبة فيما بعد عندي شيئا يشبع عقولهم الفاغرة في مواجهتي. أنا المُعَلِّمة أتصرف كمٌحب عاشق يتجدد ذاتيا كي لا يصيب محبوبه الملل فينصرف عنه. فالمٌعلّمين لا يعرفون الراحة.

التعليقات