هِدايه دركلت تكتب: "كوب من القوة"

 

 

صوت هاتفها يضجر من الرنين المتواصل، متثاقلة تلهث كثرة الهرولة في حلمها الطويل، تنفض عنها غطائها فتتناثر معه هموماً رافقتها في رحلتها اليومية كل مساء.

نهضت بفزع به قليل من الهدوء حتى لا تجذب انتباه والدتها لها، غسلت وجهها بكف يرتجف برداً من بروده دمائها و سقيع الماء، تفتح الخزانة ومعه تُفتح ألف صفحة في طيات الذكريات، أخذت ملعقة لتضع بها مراراً أدمنته تضعه على نار لتحرق بها ما يذكرها به.

جلست واضعة يديها على وجهها فقد أصابها ألم في الرأس لعين، لا تستطع أن تذرف دموعها فالكبرياء يحرقها، جبروت المرأة يعجب من حولها ويقتلها في الثانية ألف مرة، تحسست بطنها تتفقد ذاك الصغير، ترثيه بلومٍ لا تدري تلقيه على الزمن أم على سجاذتها في تصديق شرقي كاذب محترف.

للحظة تهاتف على مسمعها صوت نبضه، حين سمعته لأول مرة من عامين، أحقاً مضى عامين؟!، تشتت يداها من تواسي أولاً، فتدخلت أطراف أقدامها لتذهب بها آلى المرآه، تقف بنظره تحدٍ يغلبها ضعف، حادثت نفسها بصوت أعلى من صوت الركود داخلها، كيف لي أن أمضي قُدماً ولا أقدر على جمع شتاتي، تحتاج من تخلت عنه، وإذا عاد، ستُعيد الكرةَ وتنفيه من واقعها، فيزداد التصاقاً بفؤادها أكثر، فأكثر.

يتردد على مسمعها من جديد كلماتٍ لأغنيه قد تعلقت بها مؤخراً، " كن صديقي "، ليتهم يتوددون بصدق الصداقة، ووفاء الرجال، نفتقر لثقافة الافتراق فنطعن بعضنا البعض مُساعدين القدر على هدم ما بنا، فنتعامل بإهمال وجفاء، نرتدي ثياب التقوى الكاذبة، في فتواهم يُحرم عليهم الحديث مع امرأة كصديقة، ويُسمح لهم بانتهاك قلبها كحبيبة ثم الإقاء بها في فهرس موسوعة الذكريات.

استعانت بأناملها من جديد، تحسست فمها لتزيل عنه بقايا أحرف لم تظهر بعد، رسمت ابتسامة عريضة، صففت شعرها سريعاً، تناولت عطراً كان مرافقها في حفر كل ذكرى داخلها، ذهبت لشرفتها وبيدها كوباً من القوة بوجه الأمل، خالٍ من السعادة، مليء بالشجن.

 

التعليقات