سلمى هشام تكتب : عنق زجاجة

ربما لم يكن هذا السر هو أخطر ما تخفيه، فلديها من الأسرار ما تراكم على مدار السنين، لكن هذا الأمر دونًا عن كل شيء آخر كان يؤرقها، خاصة في أيام الصيف الحارة أو في المواقف الصعبة، ففي تلك الحالات تصعد سخونة لا ترحم إلى مخها حتى تكاد تشويه فتدوخ وتضطر للجلوس متعبة تحاول الاستشفاء من حالة فقدان التوازن.

 

كل ما يخطر ببالها بينما تستريح احتياجها لسيجارة تشفي بها غليلها، لكن الأمر كان يتعذر كثيرًا إذا كانت بالمنزل، فالاحتياطات التي كان عليها اتخاذها تصيب بدوار من نوع آخر، وترقّب لقابلية إكتشافها، كما أنها في الفترة الأخيرة صارت تشعر بسخافة ما تقوم به، سخافة خوفها كفتاة مراهقة طائشة وهو ما كان ربما صحيحًا منذ عشر أعوام أو أكثر، لكنها حتى الآن لا تزال تشعر بالأدرينالين يُضخ بجنون في جسدها ولا تزال تحرقها لسعة الترقب الذي لم تعد تستطيع التخلي عنه حين تتجرأ وتدخن بالشرفة بينما العيون المراقبة نائمة.

 

زاد شعورها بالسخف مع فورة الربيع والدم كلما زادت الحرارة وتوحشت الشمس، وبدأت الجلسات مع صاحباتها بالمجموعات السرية على "فيسبوك" تزداد صراحة وسخونة. أرادت التنفيس عن حنقها في أحد الأيام بمنشور يعبر عن سخافة خوفها الذي صار بلا معنى بينما تسرع سنين الشباب إلى نهايتها، صحيح أنها لا تزال تعيش بمنزل العائلة، لكنها تستطيع فعليًا أن توفر مستلزمات حياتها، ولولا ضغوطات "العيب" و"الناس تقول إيه" لكانت أستقلت وعاشت بمفردها منذ بضع سنين.

 

زفرت جزءًا من حنقها خارج الجسد وفتحت المجموعة السرية تكتب شكواها لكنها وجدت منشورًا طويلاً من إحدى الصديقات تحكي فيه عن ذلك الكابوس المتكرر الذي يطاردها ويتجسد أمامها أيضًا في محاولاتها المستميتة ألا تتعرض بنات أخيها لذات المصير المرعب الذي أصابها حين تم ختانها. كانت تخشى في كل دقيقة أن يغافلها أخيها وزوجته ويرتكبا جريمتهما ثم يستنكرا أن يكون للعمة أي حق في مثل تلك الأمور.

 

"كل هذا الحنق من أجل حقي في التدخين، بينما هن تقاتلن من أجل الحياة ذاتها!!"

 

بدت شهوتها للسجائر سخيفة مقارنة بما قرأت، فاستصغرت سبب مشكلتها، وهدأت قليلا لكن ذلك الهدوء سيموت– بالطبع - بعد بضعة أيام حين تعود للدوران في فلك عالمها الخاص وتصبح ذكرى منشور صديقتها جحيمًا فاترًايرقد بعيدًا في بقعة مهملة من عقلها ونار باردة لا تكاد تحرق أحدًا أو حتى تنبهه إلى مآسي الغير. 

التعليقات