أسماء علاء تكتب: اليوم من وراء نافذة

 

 

يبقي النور مُضاء، تبقي الغرفة في انتظاري، وخطواتي لا تُنكرها الطرق لكنني أفعل. ياللغضب، لا يجب أبداً أن يُترك مُتقد، يجب ألا يُطمس، إنه حي ويتنفس، ويريد أن يخرج للعالم، ولسنا من هؤلاء الحانقين وغير مباليين. نعم أنا أبالي، وممارسة التجاهل كان الخطأ عينه. كل الشوارع تستقطِب العنف بداخلي، وكل ما تثيره من لا أخلاقية يجعلني أعود لنفس النقطة من جديد؛ لا يجب أن يُترك الغضب مكموماً ،كل الذين صافحناهم، وخذلولنا، وتركناهم يذهبوا دون عقاب سوي الصمت يعودون كل يوم، لأن الغضب لازال قائماً ويضطرب. الصمت عقاب للنفس وحدها، وستبقي تُعاقبنا بالتذمر طيلة الوقت إلي أن نُعيدهم رغم أنوفهم لنمحق كرامتهم حية.

أستيقظ في الصباح، تتكالب عليّ الأفكار، مهلاً لم أنهض من سريري بعد، لازالت عيناي مضطربتا الرؤية، لا تزال قدماي متعبتان من سفر البارحة، أقف عليها الأن، إنها ثقيلة عادة في الصباح. تذكرني أمي بزيارة واجبة للطبيب، تقلق علي ألم قدماي، ولا أعيرها إهتماماً.

حسناً سأذهب، ولا أفعل. أصنع لنفسي كوباً من الشاي، أُذيب السكر، ونفسي، والأفكار، لكنها تشتعل من جديد في الرأس. أبحث عن النافذة، العالم من وراء نافذة لا يُطاق، لازال هناك الكثير بالخارج، وأنا أقف هنا وراء نافذة بعيدة علي أرض ربما لو استبدلوها بسكاكر فنجان شاي علي أي طاولة مفاوضات لن يهتم أحد.

أتذكر أنني دونت أسماء المتاحف، والأماكن الأثرية كي أذهب إليها، وحتي الآن لم أفعل. أطارد القلم، والروح، وأدرس علي مضض، وأسافر ثم أسأل نفسي ماذا بعد؟. نترك هذا كله ونرحل إلي حيث تتوق الروح؟، أم نبقي؟، أم نستجيب لمطاردة هذا وذاك؟. أنتقد كل شيء، ولا أراهم كما يروني؛ أنتقد لأني أصلِب نفسي كل يوم لأتصرف بمثالية، وأريد منهم أن يتصرفوا بمثالية معي بالمقابل، ولن يُوجد أبداً من رسمته بجانب صورتي. شيء مُوقِن أن السنوات تمر، والناس تذهب، والقلوب تتبدل، وشيء أخر يُصر علي أننا لن نخسر، يجب أن نفوز بشخص ما، ويصبح هو من نستمد منه القوة ونهُديه إياها، وتمر السنوات ويرحل الجميع ويبقي هو.

أراه كل يوم كما رأيته بالسابق، ولا أنهض يوماً علي ندم سحيق ينبذ هذا الرجل، ويقف بين طرده ورغبته بالرحيل. شيء لا يريد أن يستزيد التجارب، ويدعها ترحل وتأتي، وشيء أخر يسخر من هذة الفكرة. أضحك علي المفارقات، وكيف يسير الإنسان هادئاً وبداخله صراعات كبيرة وأصوات كثيرة، كل صوت له رأي يناقض رأي الصوت الأخر، والرأس بينهم تشتعل وتضطرب وتنتشي، ثم لا تصمت أبداً. إن كان الإنسان وحده يشتعل، لمَ لا تكون وحشية العالم مقبولة؟. نحن نبدأ فرادي، ثم نجتمع، ثم تتمخض كيانات أكبر منا جميعاً شيدناها، أو وُلدنا فيها، وصارت رغم الغبار والتقادم والصمت الأبدي سُلطة تقيد أعناقنا، والرسوغ، ثم نختلف مع عبيد الكيانات الأخري، ونتصارع، ونصرع الأخر، ويصرعنا ثالث، وهكذا نسير بالاضطراب، وتسير الأرض بكل ما تحمل كأن لا شيء حدث، أو لا شيء يحدث. ألسنا إنعكاس لها ؟. ألسنا الظل نفسه؟. البيت حين يستقيم، وحين يتهدم، وحين نمر بعد كل هذا كما كل مرة نحمل الظل الحي، ومرات نبهته؟. الأصوات وحدها أحياناً تكون عقاب كبير، ليس هذا الطريق، ليس هذا العِلم ليسوا هؤلاء. الأفكار لا تهُدينا سوي الاضطراب، حتي إذا إستجدينا النجدة تختفي وتُمحَق، تترك الذهول في اِطراد وتذهب مُخلفة صمت غريب. كيف للرأس أن تهدأ فجأة ؟. يرحلون وتبقي الوجوه، لكنها مفرغة من الملامح، وتوجد فقط كلمات. ليس هذا موطننا الذي نبحث عنه، وليس هذا المكان ما تتوق إليه الروح لتمارس شغفها.أجلس أمام البحر ما هذا السكون؟، لطالما جئت إلي هنا كي أفكر بسلام، أو أنسي رغم الاضطراب أن هناك رأساً تختنق تحت الأفكار. أستعيض عن التفكير بالأنغام، دعها تبث الفرح والحزن معاً، أو حالة رمادية لا يكون فيها أي شيء ذا معالم واضحة.

يقولون أنه يجب عليك أن تخسر كل شيء حتي تصبح حراً، لكن الأمل إنه شيء ماذا أفعل به؟. لطالما أذهب، وأعود دونه، أو به، لبثت دونه بعض الوقت، ثم لا أنفك أستعيده مرة أخري. لا أستطيع أن أصافح الحياة بيدي المستسلمة، وأعبر الممر الأخير دون شيء. أنا أشعر بالقلق والضيق، لكنني إن توقفت سوف أموت، أعلم هذا جيداً، ولا أتخيل سبب لموتي الآن سوي التوقف. لا أعرف أين أستقر، وقد مللت حقاً من كل هذة الخطوات البعيدة، أريد أن أعود للغرفة وأغرق في القراءة كما كنت أفعل وأنسي رواد المنزل وأصدقاء لم أراهم قط، وأصدقاء أعرفهم منذ سنوات، ولم يبقي من تلك الصداقة سوي نِكات قديمة يسردوها كل مرة كي يخبروني كم نحن أصدقاء. أحاول أن أتصرف بعملية، لكنني أنسي نفسي، وأخسر الوقت، ولا أكون طيلة الوقت من أعرفها. أُسرف الأيام في شيء لا أنتمي إليه، وأقول ليس من الترف لدي الآن السعي وراء الشغف، ثم أشعر بالضيق لاحقاً لأنني لا أملك هذا الترف. التوازن مفقود، والاضطراب في كل شيء. اليوم ليس الأمس رغم كل هذا التشابه ربما يتبدلون هم وتعود الأفكار وترحل مجدداً، لكن النافذة واليوم من ورائها يظل كما هو. لا يجب علي الكلمات أن تكون واشية هكذا، ولا أن نفقد منتصف النهار في إرتجال أحزاننا صمتاً، وأنا أتوق بشدة لأصرخ علي آلتي وحدنا، تُقرع أزرارها ويذهب ما بي مكتوباً، علي الأقل حين أصرخ من الداخل، سيُوجد من يقرع الفراغ بدوره فلا أكون وحدي.

سأكون بخير في اليوم التالي، أو يوم يلحقه، أعود للسفر من جديد، والخطو من جديد، أودع النافذة، وأعود إليها أبحث عن الأوراق، ومفاتيح الحروف. أكتب لأنهض، أكتب لأتخلص من كل شيء عالق دون بوح، وحدها الكلمات تُخلق، وتأتي وتُفتعل، لأنه يجب أن أمضي بهذا الوجه الذي إعتدت المضي به،خالٍ وهاديء.

التعليقات