سماح فؤاد تكتب: في بيتنا حكاية

كنت طفلة شرهة للمعرفة البصرية، لا اسأل كثيرا، لا أناقش، لا استفسر كما الأطفال اللحوحين، كل ما كنت أود فعله هو رؤية أكبر قدر من الصور والمشاهد الجديدة، كل المشاهد بالنسبة لي مبهرة حتى وإن عصا علي تفسيرها. تظل عالقة في رأسي، افترض لها معان من محصول أفكاري الصغيرة، أو أتركها حين استعصى على الفهم، أفهم معانيها لاحقا ربما أو ربما لا أفعل أبدا .

كنت اتشبث في كف أم علي الكبير، كفي الصغير الناعم بين أصابعها الضخمة الذكورية ووجه كفها المتعرج الشايخ، ننزل درجات السلم الطويل، تقبض على يدي حتى لا أتقافز على السلمات فأصدر ضجيجا عاليا أو أقع فينفتح رأسي. أصر على أن تصحبني معها في أي مشوار، ذلك النهار قالت "هنزل أجيب الفراريج من "علي" علي الفرارجي" كما تسميه أم علي. عرفت علي مبكرا كنت نادرا ما ألتفت لشكله أو ملامح وجهه وإن رأيته فلا أرى سوى شبحه يتحرك هنا وهناك  لكن اسمه كان يتردد كثيرا في منزلنا، هو علامة مميزة للمنزل قبل أن تتغير كل معالم الشارع وتصبح له معالم أكثر وضوحا.  كان المحل علي يمين منزلنا، كلما مر أحدهم خروجا أو دخولا للشارع يمر من أمام علي وعليه أن يرفع كفه للسلام، كنت اتمسك في طرف جلباب أم علي، أقف وراءها متوارية من الحركة الدائمة والرائحة الكريهة للمحل، أشلاء أحشاء الدجاج في كل مكان، نشارة الخشب الأصفر تفترش الأرض المبللة والذباب يغطي المكان كله.

كنت أخاف من الديك الرومي الضخم المفلوت في وسط الشارع، يتوقف على الرصيف بريشه الأسود اللامع وعنقه الطويل ومظهره البري، يناكف المارة والقطط والذباب بعينين واسعتين قاسيتين. اتوارى أكثر وراء أم علي التي تصدر توصياتها للصبي بأن يختار دجاجتين عفيتين وبلدي، تسأله عن أحوال أمه وزوجته والأولاد، وأنا أشاهد الديك الذي انتبه لوجودي وربما شعر بخوفي ورغبة في نقري كما يفعل مع القطط، لكنه يبدو أنه غير رأيه في اللحظات الأخيرة وعاد أدراجه مختالا داخل المحل. كنت لا أفهم لما يطلقونهم هكذا في الشارع، لما لا يضعوهم في أقفاص أكبر فحسب. كان الصبي يحمل دجاجتين كبيرتين في يديه، تلك الطريقة التي يمسك بها الدجاج من أجنحته للوراء جعلتني أغفل، اقترب بهما من أم علي ليتأكد من رضائها عن الدجاجتين المتعوستين قبل ذبحهما، عاد بهما للداخل وقد كنت في أقصى درجات الرعب والاندهاش.

كنت أراقبه وهو يضع السكين فوق عنق الدجاجة الرفيع وهي تصدر أنينها وصراخها وتخبط بأجنحتها على جوانب جسدها الأبيض المخلوط بالأحمر والبني، وفجأة نقر الديك مؤخرتي، انطلقت في صراخ وبكاء هستيري فورا، بينما راحت أم علي تهش الديك بعيدا وتطبطب على ظهري بيدها الخشنة تقول لي "الديك الوحش راح خلاص متبكيش" بينما ظللت أنتحب بصمت وجسدي ظل يرتعش، صرت أكره علي الذي ظننت حينها أنه ابن "أم علي"، لم اقترب من المحل أبدا طوال أعوام كنت أسير بمحاذاة الخرابة التي تحتل الجانب الآخر للشارع كي لا أقترب من المحل، أتحمل رائحة أكوام القمامة والعفن وروث الحمير، أقطع الخطوات ركضا بعدما أتأكد أن الديك الأسود ليس في الأنحاء. وعندما كبرت، عرفت علي بوجهه الطيب النحيل ورأسه ذو الشعر الرمادي الغزير وعرفت أنه ليس ابن "أم علي" ولا يمت لها بصلة. لكني ظللت اكره كل محلات الطيور ورائحتها والديوك الرومي السوداء المختالة، وصرت أمر على المحل بعدما غزت المحلات الرصيف المقابل أرى علي أحيانا، ارفع يدي بالسلام أو أجد المحل مغلقا فأمضي .

التعليقات