إنجي همام تكتب: فاصل (عن لا لا لاند وأشياء أخرى)

 

أمسي كان ثقيلًا بما يكفي لأن أظل راقدة في فراشي طوال اليوم بلا حراك

ولكن المعجزات تحدث أحيانا

بعد مطالعة بريدي الإلكتروني قررت الخروج مباشرة، فامرأة مثلي بلا مزاج لقهوة صباحية ليس لديها ما تتحجج به لتدخل في مود الحياة

أجبرت نفسي كما كل يوم على ممارسة طقوسها الاعتيادية

البرنامج كان معد سلفا منذ فترة، فهو يوم أنتظره لمشاهدة فيلمًا هامًا وقضاء يوم كامل خارج المنزل لإنجاز عدة مهام أخرى ، لتكن فرصة أن أفعلها دفعة واحدة.

في مترو الأنفاق الذي كان غير مزدحم  -على غير عادته في كل وقت- جلستُ بجانب فتاة جامعية على ما يبدو، كانت تحمل بعض الملازم الورقية وتخطط فيها تحت بعض السطور وتتمتم بين حين وحين لتخزين بعض المعلومات برأسها، عندما رن هاتفها المحمول وحاولت استخراجه من حقيبتها لاحظتُ أن شالي الأحمر القاني جزء منه ملقى على يديها فاعتذرتُ وسحبته حتى تتمكن من إخراج هاتفها، ابتسمت بعد أن أنهت مكالمتها -كان مدفيني- بادلتُ الابتسامة بأخرى وأعدتُ الشال كما كان.

عندما جاءت محطة نزولي اعتذرت لإنني سأصحب الدفء معي، تبادلنا ابتسامة أخيرة ونزلت .

شارع 26 يوليو كان مزدحمًا بشدة والسيارات كمعظم الوقت في حالة شلل، انتهزت الفرصة لأعبر بيسر، شمس الشتاء التي أخبرني أحدهم بظهورها قبل أن أنزل من بيتي كانت لا تزال ساطعة في بهجة استثنائية، سكبت علي روحي بعضها فأخذتُ أغني، أغنية واحدة بل مقطع واحد كنتُ أتمتم بلحنه في بعض الكلمات التي نسيتها، -الدنيا أنت بهجتها والبهجة أنت فرحتها والفرحة أنت يا حبيبي حلاوتها تيرا را را را را - ، فكرت بالوقوف جانبا لتشغيل الأغنية على الساوند كلاود ولكني نظرتُ لساعة يدي فوجدتني متأخرة فواصلت المسير بخطى أسرع، الساعة الثانية والنصف وسبع دقائق لقد بدأت الحفلة، سألت في شباك التذاكر الخالي عن موعد أقرب حفلة للفيلم فقال الموظف الآن .. ستبدأ الآن

تركتُ له مهمة اختيار مقعدي وسحبت التذكرة وصعدت مسرعة، الفيلم قد بدأ بالفعل، على ضوء كشاف العامل لاحظت امتلاء الصالة عن آخرها فلعنت في سري حظنا السيء وسينمانا الوقحة التي تتحجج بذوق الجمهور، ها هو الجمهور، لم أكن أعرف أنني أحب الأفلام الموسيقية إلي هذه الدرجة، أخذتني الحالة سنوات للوراء ترتد ذاكرتي للطفولة فأتذكر سينما الأبيض والأسود منذ مطلع الأربيعينيات لنهاية الخمسينات وربما أكثر ولكني أعشق أفلام هذه الفترة ذات الزخم  بالموسيقى والاستعراضات.

صوت محمد فوزي ونعيمة عاكف ورقصهما معا استعراضات ليلى مراد وأنور وجدي دويتوهات شادية ومنير مراد، انتهت هذه السينما من مصر برحيل هؤلاء المبدعين، أعود لمقعدي السينمائي بل لداخل العرض الذي جذبني كشريك محلق مع أبطاله، أرتدي ملابس زاهية حالمة كما يرتدون وأظن أني أعيش معهم في قرن مضى، حتي يرن هاتف البطلة المحمول فأعرف أنه فيلم لا يدور في الماضي وأن لتلك البهجة مكان في حاضرنا، البطلة كاتبة والبطل موسيقي أو هذا ما أردت أن أراه فيهما ليكون الفيلم منسجم مع مزاجي، البطلة الشابة تعمل كنادلة بأحد المقاهي وتحلم بالنجومية الفنية فهي ممثلة وكاتبة مسرح أما بطلها موسيقي شاب يعشق موسيقى الجاز التي لم يعد يسمعها أحد، هي تلهث دوما ما بين عملها وتجارب الأداء لتحظى بفرصة وهو يعزف ما يروق الجمهور حتى لا يتعرض للطرد من الكازينو الذي يقتات منه عيشه، يتقابلان ليلة عيد الميلاد حيث تسرح مخيلته فيما يعشق فيعزف ما يروق له، وبالفعل يتم طرده أما هي المسحورة الوحيدة بموسيقاه في كل الحضور، ترى عن بعد واقعة الطرد فتتحرك نحوه لتخبره كم كان ساحرا في عزفه، لكنه لا يعطيها الفرصة ويمضي غاضبا دون أن تكمل كلامها.

قصة حب تمتد على مدار أربعة فصول غير متوالية فهناك ربيع وصيف وخريف وشتاء ولكن ليسوا لعام واحد، فرص اللقاء تتوالى ويبلغ العشق أوجه وتبدأ التضحيات ومعها يبدأ منحى الهبوط لهذا العشق، أيهما موجع أكثر أو ربما أيهما مُضيع أكثر للحب، التضحيات أم التمسك بالأمنيات، كُتب على المحبة أن تضيع في هذا العالم، سواء أكان أصحابها مضحيون أو أنانيون، هو بدأ بالتخلي عن أحلامه لأجلها ليؤمن لها واقعا مستقرا لا أن يظلا يعيشان علي حافة الحلم، وهي لم تطلب ذلك وتألمت بل غضبت لتركه أحلامه، هل لو فعل العكس كانت سترضى؟

لم يكن يدرك أنه حينما بدأ يخسر نفسه بدأ يخسرها على خط متوازي، هذا عن قصة الحب التي واقعيا ستنتهي بشكل أو بآخر، لن أتحدث عن مشكلات الفيلم فلست بصدد نقد علمي أتحدث هنا عن تلك الحالة الاستثنائية التي خلفها لديً بكونه فيلم موسيقي أولا ومبهج بشكل عام ثانيا، أما عن جماليات الفيلم فتجسدت في عدة أمور، الألوان الزاهية الزاخرة بكل ما هو ربيعي، الموسيقى متقنة الصنع المبشرة بعالم لازال قادر على العطاء الجمالي، المصممة أن تخبرنا أن الفن الجميل والمبهج أيضا يمكن أن يسكن حاضرنا ولم يصبح من مخلفات زمن مضى ولن يعود، مزج الغرائبي في الصورة مع الواقعي في القصة هذا الخيال الخصب ولًد حالة من تناقضات بديعة وأبى أن يخرج المشاهد بحالة أسى على نهاية القصة الجميلة فانتصرت قصة الطموح في مواجهة ضياع قصة الحب..

أما عن المشاعر الجميلة فأخرجها الكاتب والمخرج في حلم أخير على الشاشة، دار بمخيلة كل من البطل والبطلة لتكون أخر لقطات الفيلم ابتسامة عذبة متبادلة فيما بينهما تخبرنا أن القصص الجميلة تظل تسكن نفوس أصحابها للأبد حتى وإن فرقتهم دروب الحياة .. هو فيلم للحالمين بامتياز ولن يروق لسواهم.

بعد نزول تتر النهاية لم أكن أود الخروج مرة أخرى لعالم نقيض ما كنت أعيشه على مدار زمن الفيلم ولكن كان لابد من الخروج، الدفء النفسي والواقعي أيضا داخل قاعة العرض هاجمني نقيضه في الشارع البارد حيث رحلت الشمس الشتوية لهذا اليوم وحل التراب والصقيع مكانها، بخطى متسارعة أمضي نحو شارع شريف باحثة عن محل زهور مررت عليه دوما ولكني لم أشتر منه من قبل.

تذكرته اليوم وأنا أفكر في صحبة ورد لصديقتي الحبيبة التي سأحضر حفل توقيع كتابها الذي أنتظرته طويلا مساءً، فكرت باستراحة صغيرة ومشروب ساخن "بكوستا" القابع أسفل "الإيموبيليا" ولكني خشيت ضيق الوقت وبطء النادل فمررت دون الدخول، ألقيت سلاما عابرا على محمد فوزي -كما اعتدت أن أفعل-بالإيموبيليا حيث لازالت لافتة شركة أفلامه تعتلي يسار البناية العتيقة.

أضعتُ محل الزهور من فرط السرعة ومشيتُ لنهاية شارع شريف وعدتُ لأجد المحل على بعد خطوة واحدة من الإيموبيليا، لم تروقني الزهور وأخافتني القطة العملاقة الساكنة دائما وأبدا على باب المحل من الداخل، جميلة جدا بشعرها الوثير وأنوثتها المثيرة للدهشة ولكني أخاف القطط، هرولتُ نحو شارع طلعت حرب حيث يقع محل "أوليس" من أكثر محلات الزهور التي أحبها بوسط البلد و طريق مروري اليومي لسنوات طويلة، أتذكر حزني عندما قاموا بتجديده منذ أكثر من عشر سنوات، كنت أحب هيئته القديمة أكثر، وددت لو حافظوا عليها بعد التجديد، طالما تمنيت أن يفكر المجددون في كل ما هو تاريخي أو تراثي أو ما شابه ذلك بالحفاظ على روحه بعد التجديد، ولكن هكذا نحن إما نترك الأشياء كما هي دون أية عناية حتى تبلي وتنتهي تماما، أو ننزع تاريخيتها وقدسية الزمن الذي عاشت فيه وعاش فيها طويلا. وصلتُ "لأوليس" واحترت بين الباقات وددت لو أخذت أكبرها ولكن أعصاب يدي المتعبة لم تكن لتقوى على حملها، الزهور لم تعجبني بما يكفي وتذكرت أنه الشتاء فلابد من الاختيار مما هو موجود، بينما كان يلف العامل باقتي بمزيد من ورق السلوفان -حيث أخبرته أن مشواري بعيدا- جلست لأستريح وسألت الرجل الأخر على "الكاشير" عن تاريخ افتتاح المحل، فأخبرني أنه أفتتح في العام 1948 واستطرد قائلا - محمد عبد الوهاب صور هنا مشاهد من أفلامه- فضحكت قائلة -ومحمد فوزي لأ.

حملتُ باقتي واستوقفت تاكسي من أمام النادي الدبلوماسي وطلبتُ منه أن يوصلني للإسعاف، بعد خمس دقائق اعتذر وطلب مني النزول عندما أخبرته أني ذاهبة للأمريكين، لم أفهم السر ولكن بعد نزولي وجدتُ أن شارع طلعت حرب بعد الميدان يتغير إتجاهه، فضحكت من نفسي التائهة دوما، وصلتُ قبل صديقتي بدقائق وكنت في شرف استقبالها كما شعرتُ، بدأت الندوة بحضور كبير ومميز، قابلتُ من لم أقابلهم منذ سنوات وشعرت بطاقة خاصة تغلف المكان، مزيج من الفن والفكر والمشاعر الطيبة مع ذكريات كثيرة أخذتني لمطلع الألفية وبدايات عملي بجريدة القاهرة، انتهت فاعليات حفل التوقيع ومعه الدفء مجددا، سأعود للصقيع مرة أخرى ..

اليوم انتهي أُلقي بنفسي في أول تاكسي متجهة للمنزل، لدي الكثير من المذاكرة وأفلام أخرى داخل منهج دبلومة النقد علىً مشاهدتها وامتحانات لم تزل في بدايتها ورواية مزقتها ورممتها عشرات المرات ولم أرضى أبدا عنها، أمسي كان ثقيلا جدا بما كان يكفي أن أبقى ممددة في فراشي طوال اليوم بلا حراك ، لكن اليوم فاصل لا بأس به لأبدأ غدا برغبة عارمة في الحياة.  

 

التعليقات