مها النجار تكتب: ومِن شَمائِلِها لا من شَموليَ نَشوَتي

         

كنت أمرُّ مرّ المتعجب على جملة ابن الفارض فى تائيته الكبري: "ومِن شَمائِلِها لا من شَموليَ نَشوَتي"، وكنت أتسائل، كيف يسْكر المحب من شمائلِ المحبوب دون الحاجة إلى رشفةٍ من شَمُول (خمر) ؟!! وكالعادة لا ينتهي تعجب الإنسان من كيفية حدوث شئ ما إلا حينما يتذوقه ويدركه، وذلك مصداقا لقولِ الغزالي: "من ذاق.. عرف"، أو كما قال البشبيشي:"من ذاق..أدرك".. وقدر الله وأدرك الكثير ذلك بالفعل!!

هذا المعني فعليًا هو مفتاح استشعار معاني المحبة، فتذوق المعني يجعلك تهيم حبا، تنتشي وتهذي، وتسكر بالمحبوب سكرا يجعل قلبك الصامد كحجر صوّان، يتخلى عن صلابته لا إراديا فى حضرة المحبوب لحظة السكر به، وحينها يتذوق المحبوب عذب المحبة من فم مُحِبّه!!

ولكن الشئ العجيب الذي تكتشفه بعد الإفاقة من حالة السكر، هو الشعور بأن الحالة الحلاجية استشرت فى أعماقك، فتناقض ذاتك، وتود أن تعتذر للمحبوب عما بدر من بوحٍ، بسُكرٍ، دون وعي، وفي ذات الوقت لا تريد أن تعتذر عن هذه المحبة أبدا، فما فى الجبّة غير المحبة والمحبوب!!

ليس السكر والبوح فقط ما يرتكبه المُحبّ بفعل تذوق المحبة، فالأجمل هو شعوره بأن الأشياء، والأماكن والأغاني التى اعتاد عليها وعلى سماعها، أصابها معني جديد، منذ أن لامس الحب شغاف قلبه، ثم استشري!!

 فتجد المحبوب يؤانس المحب فى كل حين وكل مكان، وفي كل شئ يراه أو يسمعه،ومهما بعدت المسافات، وندرت اللقاءات، فهو يحمله فى قلبه وروحه، ويرسمه بعينيه فى كل شئ، ليستشعر معيته، لأن أى مكان يذهب إليه يشعر بأنه ينقص المحبوب ليكتمل معناه، فيرسم محبوبه على المشاوير كما وصفت "فيروز"، ويود أن يلغي المسافات ويفعل كما فعل "عبد المطلب" ويذهب إليه سيرا على قلبه من السيدة لسيدنا الحسين، أو أبعد من ذلك، وتجده يتأوّه مع تأوّهات السيدة "أم كلثوم" "أشرب بإيدي كاس يرويني.. وأشرب بإيدك كاس يكويني"، ليكتمل السُكر، ويعود إلي دوامة الشوق الذى ما برح حتي استحال إلي اشتياق، والاشتياق يا دام شوقك، أعتي من الشوق، فهو كالنار الإغريقية، كلما حاولت إطفاؤه؛ ازداد اشتعالا!!، لذلك المحب الحقيقي ناره لا تهدأ أبدا، فهو مشتعلٌ في جميع الأحوال_الوصل والقطع والبعد_ ونقول هنا القطع والبعد مجازا بالنسبة للروح، لأن الأرواح لا تعترف بمبدأ القطع والبعد، فلا مسافة ولا قطع ولا فرقة بين الأرواح، فهي تلتقي أني شاءت، متي شاءت، وكيفما شاء الخيال!!

ومع اختلاج المعاني والحالات، يزداد المُحب من فرط عشقه تحيرا بالمحبوب، ومتي ازداد تحيرا؛ ازداد علما.. ومن ازداد علما ازداد عشقا وذاب.. ومن ازداد عشقا اشتاق وصلا.. والعاشق الحقيقي حتى وإن اتصل لم ولن يرتوي.. فسيّان معه الوصل والبعد.. فهو ظمِئٌ في كلتا الحالتين !! 

 

 

loading...
التعليقات