دينا نجم تكتب: الخروج من الصندوق!

 

على مدار عشر سنوات قضيتهم كموظفة بشركات كبيرة، كنت دائمًا أقابل أشخاصًا يتذمرون من العمل بالشركات ويصفونه بـ"العبودية".. وقتها لم أكن أفهم أبدا ما هي مشكلتهم وعن أي عبودية يتحدثون! وكنت أرى في شكواهم نوعًا من عدم الرضا والإحساس بنعمة كبيرة يتمناها آخرون.

وكنت أتساءل: ماذا يريد المرء أكثر من وظيفة مستقرة وراتبٍ ثابتٍ ومجموعة من الامتيازات كالتأمين الصحي والمكافآت والزيادة السنوية؟

ولكنني تدريجيا، بدأت أستوعب تمامًا ما كان يقصده هؤلاء "المتذمِرون".

عندما كان والدي، رحمه الله، في شدة مرضه، طلبت إجازة طويلة من عملي حتى أكون بجانبه. وبينما كنت معه في انتظار الدخول للطبيب، تلقيت اتصالا من الشركة التي أعمل بها يطلبون مني معلومات تتعلق بالعمل.

وقتها، صدمني بشدة عدم مراعاتهم لظروفي وروحت أصرخ فيهم باكية "أنا أبويا بيموت". لاحقا، أصبحت في مكانهم وفهمت أنهم كانوا معذورين.. فهُم يتعرضون للضغط مِمن فوقهم، ومٓن فوقهم معذور أيضاً لأنه مضغوط هو الآخر.. الكل مضغوط ومعذور ولكنني تمنيت من كل قلبي ألا يدفعني الضغط يومًا إلى ذلك أبدا.. تباً للضغط الذي قد يدفعك لترك والدك بسرير المرض.. وتباً للضغط الذي قد يدفعك لأن تطلب من أحد أن يفعل ذلك!

ثم مع مرور السنوات، كرهت فكرة أن أُسجن على كرسي غير مريح أصابني بالـ"آتب" في ظهري.. أنحني برقبتي أمام شاشة صماء أكلمها على مدار ٨ ساعات بينما لا ترد هي الكلمات أبدا.. وخلفي زجاج مغلق إغلاقا محكما ولا يحق لي فتحه لاستنشاق بعض الهواء.

فأجلس هنا بينما تسطع الشمس ثم تختفي ثم تسطع مجددا وتختفي وأنا أراقبها بحسرة من خلف زجاج زنزانتي وألوحّ لها بيدي وأعدها أنني سأقابلها في نهاية الأسبوع وأعوضها عن كل الأوقات التي لم نمضها معا!

أصبحت أشعر بالخسارة المستمرة أن أقضي أكثر من نصف يومي في أشياء لا أجد بيني وبينها أي رابط ولا تقودني إلى أي حلم من أحلامي.. وجدتني أفني عمري في تحقيق أحلام أشخاص آخرين وخدمة مصالحهم، أشخاص لا أعرفهم ولا يعرفوني ولم أقابلهم في حياتي.. لم أعد قادرة على أن تكون وظيفتي إرضاء شخص يحاول بدوره إرضاء شخصا آخر.. وإذا ما فشلت في إرضائهم فيؤثر ذلك على تحققي الوظيفي وراتبي وترقيتي ومستقبلي.. لم أعد أتحمل أن يقرر لي أحد مصيري وأن أقرر أنا مصير آخرين.. كرهت تلك الحلقة المفرغة من تحديد المصائر ووددت أن أفر منها هاربة.

أردت أن أتخلص من كابوس "التقييم السنوي".. فكيف تُختصر الساعات الطويلة بهذا المكتب والكبت المستمر لحريتي والتوتر الذي يلازمني معظم الوقت؟ كيف يتم اختذال ذلك كله في جلسة مدتها ساعة تنتهي بكلمتين "حقق التارجت"؟ لم أعد في حاجة لتلك الكلمات حتى وإن كانت شكرًا لمجهوداتي ومدحا في قدراتي.. فقط أردت أن استعيد وقتي لكي أقضيه كما أريد.. وأن أمتلك الحق في أن اختار وبدون سابق إنذار أن أبقى يوما في سريري لا أنهض منه دون أن أراجع رصيد إجازاتي أو أستأذن من شخص أن يعطيني حريتي ليوم واحد فيطالبني أن أجد من ينوب عني في "الخدمة".

كرهت أن أعيش بشخصيتين.. شخصيتي الحقيقية بكل ما فيها من تلقائية وطبيعية.. وشخصية يفرضها مكان العمل بكل ما يحيط به من رسميات واصطناع وتمثيل.. كرهت أن أكون غير قادرة على التعبير عن مشاعري بصدق، وإظهار عواطفي الحقيقية حتى لا يؤثر ذلك على صورتي الصارمة ولا يتهمني البعض بالضعف وعدم القدرة على الفصل بين العمل والعاطفة فيستغلون ذلك ضدي لاحقا.

كرهت أن أكون "مضطرة" دائمًا أن أتصرف بشكل معين وإذا لم أفعل فيصبح عليّ تبرير تصرفاتي.. سئمت الاضطرار والتبرير والشرح والتفسير.. وسئمت الشكوى.. سواء كنت الشاكية أو المشكو لها..  وافتقدت القدرة على قول "لا" فالرفض نعمة لا يشعر بها سوى من حُرم منها.. ومللت من رؤية أشخاص غير مؤهلين في أماكن لا يستحقونها لأسباب لا أفهمها بينما يعاني آخرون وهم الأجدر والأفضل والأحق!

وعلى الرغم من أنني أحببت شغلي وأتقنته وتعلمت منه ما يكفيني لسنوات قادمة، فإن كل ما كان يحيط به من رسميات وسياسات واجتماعات طويلة وكلام مُرسل مللت سماعه وأصبحت أتوقعه بسهولة، قضى على حبي لما أعمل فأصبحت وكأنني أعيش علاقة عاطفية إنطفأت شرارتها وقُتل بها الشغف منذ زمن ولم يتبق منها سوى شعور بالأمان المزيف واستنزاف للطاقة الإيجابية ورغبة مكبوتة في الانفصال لا يقف أمامها سوى خوف من المجهول وظن كاذب إن الحياة بعيدا عن تلك العلاقة، مظلمة بائسة وكأن اختياراتي الحياتية انحصرت بين بؤس وبؤس بينما الحقيقة التي تبينتها مؤخرا أن الحياة أكبر من ذلك الصندوق الذي قبعت بداخله سنوات طويلة فقررت أن أكسره أخيرا وخرجت منه سالمة منذ خمسة أشهر.

ومع ذلك أعي جيدا أن قرار الاستقالة قد يكون خاطئًا.. فخمسة أشهر غير كافية لتقييمه.. قد أكون ضحيت بإرادتي بمميزات لن أجدها خارج جدران الشركات الكبيرة.. قد أندم لاحقا وأشعر أنني خسرت كل شيء عندما لم أستمع إلى صيحات من حولي وهم يطالبونني بالتروي.. ولكنني استعديت لجميع الاحتمالات وأولها أن أفشل.. فالفشل محتمل، ولكني فضلت التجربة التي قد يتبعها الفشل على الاستسلام اللذي يتبعه مزيد من الاستسلام.

أشعر بك، عزيزي القارئ، وأنت تستعد الآن لقراءة نصيحتي لك بترك وظيفتك ولكنني أبدا لن أفعل ذلك، فأنا شخصيا مشاعري ما زالت مرتبكة ومترددة بين حب ووفاء وامتنان للأماكن التي عملت بها واحترام وتقدير لكل من عملت معه وتعلمت منه.. وإحساس بالراحة أنني تحررت أخيرا من كل القيود التي كانت تلازمني.

أنا فقط سأطلب منك ألا تستجيب أبدا للضغوطات.. وألا تعطي وظيفتك وما يحيط بها أهمية لا تستحقها.. وألا تذهب إلى بيتك في المساء تفكر فيما قال مديرك أو فيما ستقوله له غداً لتبرر خطأ ارتكتبته.. سأنصحك ألا تقتطع من وقت عائلتك أو تتركهم في أوقات عصيبة بحجة أن شغلك يحتاجك لأن شغلك سيجد ألف بديلا عنك..  ولكن لا بديل عنك لدى عائلتك.. سأطلب منك أن تتعامل مع وظيفتك كجزء من حياتك لا أن تقتصر حياتك في وظيفتك.. وألا تسمح لنفسك أبدا أن تنام يوما حزينا بسبب يوم سئ في العمل.. ففي الحياة أشياء كثيرة تستحق الحزن أكثر من ذلك.. سأذكرك بألا تقسو على أحد أبدا بسبب وجودك في مرتبة وظيفية أعلى منه لأنك لست أفضل منه.. وألا تقدس من فوقك وتبالغ في التعظيم من شأنه لأنه ليس أفضل منك.. وألا تخسر صديقا بسبب العمل.. وألا تقيّم علاقتك بشخص استنادا إلى علاقتكما العملية أو أن تختصر شخصًا في سلوكه الوظيفي لأن الوظيفة كثيرا ما تفرض تصرفات على الشخص لا تعبر عنه ولا تمثل رغبته الحقيقية فكم من قرارات اتخذها موظفون تحت عباءة سياسات الشركة وهم بداخلهم يرفضونها شكلا وموضوعًا.

عزيزي الموظف، إذا قررت الاستمرار داخل الصندوق، فلتستمر ولكن احتفظ بالمفتاح دائمًا في يدك!

 

*لكل من ترغب في مشاركة الخواطر أو المقالات برجاء التواصل معنا عبر بريد الكتروني: [email protected]

التعليقات