دعاء تليمة تكتب: البؤس

 

 

تدير المقبض لتفتح باب الغرفة، يومٌ آخر من العمل الشاق، يومٌ من عمرها المهدر على عتبات الزبائن، في منازلهم، وخلف أكوام الصحون على أحواض الغسيل.

يتقافز أبناؤها فرحا لعودتها –أربعة أولاد وبنتان- حصيلة زواجٍ بائس من متسكّع داوم على اغتصابها كلّما اشتهى أن ينتزع حقه الذي اكتسبه بورقة على يد مأذون في ليلة انتحرت فيها أنوثتها على أعتاب كائن حقير ارتضت به بعد أن لفظتها حتى طرقات المدينة الجاحدة.

تبتسم رغما عن آلامها التي لا تنتهي، وتضع ما بيدها من أكياس على أرض الغرفة، ترتب لهم طعامًا سخنته من بقايا طعام الأمس، وترفع قدرًا على النار لتدفئ بعض الماء وتغتسل.

تعلق جلبابها الأسود على الحائط وتتناول ملابسها وتدخل إلى الحمام للاغتسال.

"أنا أحسن من غيري عندي حمام خاص بي وبأولادي محدش بيشاركنا فيه ".

تنزع عنها ملابسها وتتأمل انعكاس صورة جسدها على ماتبقى من مرآة معلقة على حائط الحمام.

جسد نحيل مترهل، نهدان منكمشان كثمرتي تين جاف، وقدمان مشققتا الكعبين، وجه خط عليه الزمن آثاره الكئيبة والقاسية، تبدو كشجرة جافة متيبسة.

"اتْغَيّرتْ كثير وكأني فوق الستين مع إني لسة مخطتش الثلاثين".

تسكب الماء برفق على كتفها الأيمن ثم الأيسر، وأخيرًا تسكب ما تبقى منه فوق رأسها المشوشة من الإرهاق.

تجفف جسدها بحذر وكأنها تداعب طفلا وليدًا، لم يعد جسدها يتحمل أكثر.

"ماما بسرعة أخرجي بابا جه وعاوزك".

تفزعها الجملة، وتشعرها بالضيق والغضب، هي تعلم جيدًا أنه لا يأتي إلا لسرقة مالها وتفريغ شهوته المقيتة.

"عاوز إيه تاني؟ مش أنا إديتك 100 جنيه أول الأسبوع، حِلّ عنّي بقى خلّيني أعرف أربي العيال ذنبهم إيه ؟؟".

يشدها من ذراعها بقوة، ويقترب بوجهه منها، فمه ملاصق لخدها، تفوح منه رائحة نتنة مقززة تثير فيها الرغبة في التقيؤ.

"أنا آجي الوقت اللي أحبه وآخد اللي أعوزه إنتي وفلوسك حلالي".

يدفع الأطفال خارج الغرفة بقوة مغلقا الباب دونهم بالمِفتاح، يدفعها نحو الفراش ملقيا بها على ظهرها، يرفع عنها ثوبها ويدفع جسده نحوها وكأنه وحش مفترس ينتزع عن فريسته أحشاءها في لحظة انتقام.

لا تقوى حتى على مقاومته، لم تعد تتألم لهذا، ما يؤلمها حقا هو صوت صراخ أطفالها وتوسلاتهم أن يتركها وشأنها .

ينتهي منها بعد أن أفرغ بها كل قذارته التي يبرع فيها، ينظر لها نظرة احتقار وتشفِّ، يدب يده في الجلباب المعلق على الحائط وينتزع منه كل مابه من أموال ويغادر الغرفة بنشوة وزهو.

يندفع الأطفال إلى الغرفة ملتفّين حولها وهي مكومة على الفراش كجنين صغير في رحم أمه.

تبتسم ابتسامة خافتة "أنا كويسة ماتخافوش، بصّوا أنا جبت لكم حاجات حلوة كثير في الأكياس روحوا افتحوها بسرعة".

يحيطونها بأذرعهم الصغيرة ويقبّلونها بحرارة .

تبقى أصغرهم إلى جوارها، هي أقرب أبنائها لقلبها، تحمل عينيّ والدتها التي لا تذكر منها إلا عينيها .

"مالك يا حبيبتي مارحتيش مع إخواتك ليه؟".

"لا أنا مش عاوزة حاجة أنا عاوزاكي تبقى كويسة وبابا مايجيش هنا تاني أبدا ".

تنطلق الكلمات من فمها الصغير الندي وكلها حزن وأسى .

تحتضنها بقوة مودعة في تلك الضمة كل ماتبقى لها من معانٍ جميلة وتمسح وجهها بكفها.

"إن شاء الله نمشي من هنا ونروح حتة أحسن أبوكي مايعرفهاش أبدا، أوعدك يا حبيبتي ".

 

*لكل من ترغب في مشاركة الخواطر أو المقالات برجاء التواصل معنا عبر بريد الكتروني:  [email protected]

التعليقات