فاطمة ماضي تكتب :عادي

 

 

كم مرة سرت في الشارع ورأيت ما لا يعجبك؟، أو لنقل تنفر منه وتشمئز؟، كثيراً أم قليلاً؟، دعني أخبرك أن هذا لا يتوقف عما يحدث أمامك فقط ولكنه يتوقف أيضاً على مدى تقبلك للأشياء، لن أتكلم عن عدد المرات ولكن سأتكلم عن مبدأ النفور والاشمئزاز أصلاً، فهذا طبيعي، أنت إنسان ومن المنطقي أن تروق لك بعض المناظر وتتجنب بعضها وتستنكر وتغضب من أخرى، ولكن ألا تنفر مطلقاً فهذا حقاً غريب.

 

(عادي)

 

كلمة تتردد على الألسنة وتُلقى على المسامع أكثر من التحية وأكثر حتى من شرب الماء، فما هو العادي؟، وهل هو عادي فعلاً؟!

 

أي إنسان يتشكل نتيجة مجموعة من العوامل المعقدة مصدرها التربية والبيئة المحيطة به واعتقاداته وخبراته مُشكلةً شخصيته، فما العوامل التي لا تجعلك تشمئز وتعتاد على القبيح والسخيف واللا أخلاقي وتطلق عليه بدون اهتمام: عادي؟.

 

أسمع كثيراً مقولة تقارب الأمثال في شهرتها: "إنت اللي بتجبر الناس على احترامك"، وأسأل نفسي بعدها: فلماذا لا يكون الناس محترمين في تعاملاتهم على أيّ حال؟!، وإن كنت أنت الغير محترم سيؤدبك الهجر المجتمعى والقانون.

 

وهنا حبل الأسئلة والأجوبة يتوقف حين نستقر عند محطة، وهى العادي -كما قلت- مضافاً إليه القبح والسخافة واللا أخلاقية وأخيراً معنى الاحترام، ولا أظن أن شوارعنا تعج بالتصرفات اللائقة لنتخطى هذه المحطة ولا نواجهها، لابد وأنك ترى القمامة والشِجار وقيادة السيارات بالبركة والألفاظ وطريقة التعامل الغير ذوقية والجميع مدرك ذلك فعلام تقول: عادي؟!، هل تنامت القباحة إلى هذا الحد حتى أصبحت عادية ومألوفة المشهد؟!، أم أن الإنسان لا يألف إلا ما يشبهه والقبح أصابنا ومرضنا به؟، أم الاثنين معاً؟.

 

والكلمة نفسها يُرد معناها إلى الألفة والاعتياد، فمتى اعتدت على الشىء وألفته لم تنتبه لمدى قبحه وتوقفت عندك آليات نقده، بل يصبح جسدك متأقلماً عليه فلا تراه وقد تحول من عادياً إلى متعدياً على نفسك وعلى الآخرين.

 

لا، ليس عادياً أبداً ما يدور في الشوارع كل يوم، ولا تعود الناس عليه ولا كثرة حدوثه يجعله مقبولاً ولو بعد ألف عام، أتعرف ما هو العادي فعلاً والطبيعي؟

 

العادي أن تعتذر لمن أخطأت في حقه ولو لم تقصد إيذاءه، والطبيعي أن يحترم اعتذارك وشجاعتك ولا يعتبرها فرصة ذهبية لإهانتك.

 

العادي ألا نسخر من السائرين ونتندر عليهم.

 

العادي ألا نزعج غيرنا بأصوات آلات التنبيه البشعة بلا ضرورة.

 

العادي ألا نتبجح على من يتكلم برقى وصبر ولا نصفه ب(العبط).

 

العادي ألا نلقي بقاذوراتنا في الشوارع، يكفينا قاذورات العقول.

 

العادي ألا نضايق من يمر بجوارنا ولا نتدخل فيما يقوله للسائر معه أو في الهاتف.

 

العادي ألا نتعامل باستهزاء مع القصير أو البدين أو السمراء أو من لا يملك الجمال الشكلي.

 

وأنت تعرف الباقي، تعرف ما هى التصرفات التي تجعل حياتنا محتملة، فهذا هو العادي بالنسبة للبشر الأسوياء، والذوق واللطف في المعاملة يخففان حملاً ضخماً من أعباءنا والعكس صحيح، خاصةً في مرحلتنا الحرجة الحالية، وكل فرد منا يعاني مشكلات مادية أواجتماعية أوعاطفية أو أسرية أوعملية أو كلهم معاً فوق رأسه، فلا ذنب إطلاقاً للآخرين في مشكلاتك حتى تفجر فيهم طاقتك من الغم والغضب.

 

إني أكتب الآن هذه المقالة بينما محلات الشارع ترفع أصوات البالوعات الغنائية مشتتةً لذهنى، فلا أنا ولا أنت ولا أي إنسان (عادي) يتقبل كل هذا.

 

التعليقات