نادين بدراوي تكتب: الإدراكات المستترة للوحدة

 

القبول بأنني لا أنتمي لأحد, و لا لشئ, و لا ثمة شئ ينتمي إليّ, قلل هذا من شأني و جعله مثل شأن شبح ما, هذه يجب أن تكون الوحدة، التي تكلمنا و قرأنا عنها كثيرا دون أن نصل حتي إلي معرفة ماذا كانت أبعادها الأخلاقية. حسناً الوحدة كانت هذا: أن تجد نفسك فجأة في العالم كما لو أنك قد انتهيت لتوك من المجئ من كوكب آخر لا تعرف لماذا طردت منه.

سمحوا لك بإحضار شيئين (في حالتي كانوا الساعة و المقعد) يجب أن تحملهما كلعنة ما حتى تجد مكانًا تصلح فيه حياتك انطلاقًا من تلك الأشياء، والذاكرة المشوشة عن العالم الذي أتيت منه !

الوحدة هي عملية بتر غير مرئية ، ولكنها فعالة جدًا” كما لو كانوا ينزعون عنك السمع و البصر، هكذا هو الأمر، في معزل عن كل الحواس الخارجية، و عن كل نقاط الصلة، و فقط مع اللمس و الذاكرة يتوجب عليك أن تعيد بناء العالم, العالم الذي يجب أن تسكنه و الذي يسكنك، ماذا كان في ذلك من أدب وماذا كان فيه من متعة؟ لماذا كان يعجبنا كثيرا؟

---- من كتاب هكذا كانت الوحدة  - خوان خوسيه مياس.

 

الإدراك الأول: أصغر مساحات من الفراغ

الميلاد هذا القرار الذي لم نكن جزءاً منه. إنها حقاً لحظة وحيدة لا يدعمنا فيها أحد فلا أحد يكترث سوي لسلامتنا الجسدية و إنهاء عملية الولادة و لكن ماذا عن الصدمة بأننا هنا في هذا المكان الموحش لا نري شيئاً و لكننا نصبح لأول مرة خارج هالة الصمت المطمئن الذي كان بداخل أمهاتنا و أولي الأصوات التي نسمعها هي الأطباء و أدواتهم القاسية و مصطلحاتهم المعقدة و بعدها صوت بكاءنا ... أهكذا تتكون أول علاقة لنا مع الشعور بالشفقة تجاه الذات؟ يريد الجميع أن يحملنا كأطفال و لكن من يتحملنا حقاً؟ في الأيام الأولي و بعد ضغط عملية الولادة تغلق أعيننا و تتورم و نتحسس العالم و يتلخص شعورنا بالأمان في إصبع السبابة الذي نغلق عليه كفنا الصغير. و لكن هناك لحظة يظن فيها الجميع أننا نائمون آمنون فيحملون إصبعهم و يرحلون. تري كيف نتعامل مع أول شعور صغير بالفراغ المتروك في يدنا الصغيرة؟ أيحتاج الفراغ أن يكون هائلاً ليؤلم؟

 

الإدراك الثاني: أن تعلق داخل المثلث

علاقة الحب التي تنشأ بيننا و بين ذوينا. النظر في أعين أمهاتنا و ارتكاز ظهورنا بين يدي آبائنا هذا التعلق الذي يشعرنا بالأمان المكتمل هذا التعلق الذي نعيش معه في خوف دائم.

المرحلة الأولى مرحلة التوحد بالأم  مرحلة الكيانان المنصهران ككيان واحد منفصل عن العالم ثم المرحلة الثانية ظهور الأب الدخيل الذي يبدو و كأنه حامي حمي هذا الكيان كالشجرة التي تعمل كظل للآمنين أسفلها. هنا يصبح الوجود مهماً لأنه وجود مدعم مكتمل الأركان و إختفاء أي ركن يطلق العنان لكل دموع العالم من أعيننا الصغيرة... إنه فخ الشعور باللا جدوي دون الآخر. كيف و متي سمحت البشرية بهذا النوع من الخداع؟ متي قمنا بتصديق هذا الأمان الملون بأوهام رمادية؟

 

الإدراك الثالث: ثأر الكرامة لخيبة الظن

أول عهد يخلف و أول موعد يطويه النسيان ... إنه الإنتظار  الذي نندم عليه التوقعات التي لم يخبرنا أحد أنها قد لا تكون في محلها و أن من سبقونا في هذه الحياة ليسوا بالضرورة أكثر إلتزاماً منا. يرحل الجميع حين نريدهم أن يبقوا و لكننا نكتم الكلام و الدموع بداخلنا. أولي لحظات القسوة علي الذات في إدراك الكرامة.

 

الإدراك الرابع: الحياة خارج المثلث

الإنفصال الحقيقي في الحياة أولي خطوات الإنتزاع عن الإعتمادية و رؤية العالم من منظور واحد أضيق بكثير مما سبق و لكن ربما أكثر حداثة. تجربة المرض دون عون و الصمت الطويل الذي لا تخترقه أسئلة المتابعات اليومية. يبدأ البحث عن من يشاركنا الحياة كما إعتدنا و هي غالباً ما تكون إختيارات تعويضية خاطئة تنتهي بالفشل أو بإدعاء النجاح ثم تأتي اللحظة التي نبحث فيها عن من نخبره بإنجازاتنا و بأحوالنا و شعورنا فنجده أمامنا ولكن لا يخرج الكلام من أفواهنا. لجام الغربة وسط الأحباء.

 

الإدراك الخامس: إستيعاب القوة

مررنا بما مررنا به و نجونا تحطمنا ولكن نجونا و ما زالت لدينا القدرة علي الإستمرار ...في ماذا؟ لا نعلم. يراهن الجميع أننا سنصمد أنه يليق بنا الإيمان بالأمل و أن حياة أفضل بإنتظارنا. و بالرغم من عدم إقتناعنا الكامل إلا أننا لا نستسلم وفاءً لتوقعاتهم و للصورة الأعظم التي رسمت لنا في وعينا فنحن أقوياء خارقون نبتلع الآلام و الإهانات و القسوة حتي نرتدي قناع التبلد المزيف لحظة إستيعابنا للوحدة التي هي قدرنا لأننا أقوياء نحمل همومنا و هموم العالم في يد واحدة و نواصل الزحف بساق إن كانت بلا قدم. لا يوجد شئ أكثر حزناً و قسوة من الشعور بالقوة.

 

الإدراك السادس: الإحتياج الدائم للجمال

نري العديد من المشاهد و تعلق في أذهاننا صور بعينها هي التي نعتبرها مكونة للسعادة أو لحظات الشبه خالدة من فرط جمالها ظنناها رسومات من وحي خيالنا. شئ أشبه بالعجز المبكر و بداية لمعارك تقبل فكرة قبح الحياة من خلال مطاردة هذا الجمال الزئبقي الذي يجعل ما نحن عليه يمر مرور الكرام. السعي وراء الجمال و إحتياجنا له ليس مثالية ولا سطحية إنما تخدير محاولة منا للتفاعل المؤجل مع الأوجاع عن طريق إستراق لحظات ساكنة من التحديق في كل ما هو و كل من هو جميل و لأننا نعلم زواله نريد أن نغرق فيه حتي نهاية الزمان.

 

الإدراك السابع: حِمل الأسرار

هناك من يأتمنونا و من نأتمنهم علي كل ما لا يمكن قوله علي الملأ. لا نعلم قيمة الأسرار إلا حين يمر عليها الزمن حين نشهد الآثار الجانبية لتلك الأسرار التي كتمناها علي من لا يعلمون. حين نحدق في أعين من نحب و نمنع أنفسنا عن الإفصاح بالحق حفاظاً علي قدسية إعترافات الآخرين.

 

الإدراك الثامن: المحبة الضائعة

العلاقات التي لم تحدث أو حدثت و إنتهت و لكن لم ينتهي الحب. كل هذا الحب الذي لا يجد سبيلاً للخروج و لا يجد لغة للتواصل. الحب بلا مردود أيوجد أسوأ منه أيوجد أكمل منه؟ ما هو الحب و ما موضع الإيثار فيه؟ الحقيقة التي دوماً ما نغفلها أننا نحتاج لوهب الحب أكثر مما نحتاج لأن نهدي به. نظن أنه إن لم يحبنا أحد فهذا العذاب الأكبر و لكن أليس الحب مباراة في العطاء حتي يغمرنا الكرم و ننسي وزن الحب؟ أليست الجنة هي فرط الحنان كما قال فؤاد حداد؟ أليس الجحيم هو حبس الحنان؟

 

الإدراك التاسع: أساس الملك

لحظة تساؤلك عما تمتلكه و هو قابل للبيع أثناء محاولاتك للتمسك بالعدل و بجدوي الحياة. في تلك اللحظة التي تكتشف فيها أنك لا تمتلك شيئاً مادي يمكن بيعه علي الإطلاق و أن حياتك لا شئ سوي مساحات مؤجرة من الوقت لم تعد تكفي لسداد تكاليف المعيشة. الشعور بالفقر لا للفقر الفعلي إنما لميل كفة الميزان. قد تتسرب أفكار الجريمة إليك و لكنك تعلم أنك لست بسارق ولا مرتشي فيهاجمك الذل حين تتذكر ملكيتك لجسدك و عما إذا كنت ستستطيع بيعه. لا يهم بعد ذلك إن بعت جسدك بالفعل أم لا فأنت منتهك لمجرد إعتبار الفكرة و صراع العقل في تلك اللحظة هو أعنف تجلي للوحدة.

 

الإدراك العاشر: صحوة الموت

 الموت.... الوحدة الأكثر تواضعاً ... ليس موتنا الشخصي إنما موت الآخر الذي يقتطع جزء من روحنا ... الموت و كل ما يحمله من غضب و حزن و إكتئاب و إنكار و هوان للنفس. الشعور باليتم المفاجئ و كأن الموت لم يكن جزئاً من إتفاقنا في هذه الحياة. للموت جلال حين يختفي من حولنا في دوائرنا القريبة ولكن ما نشعر به حقاً حين نفقد عزيز أباً أو أماً أو شريك حياة...أو الأبشع أن يفقد أحد ولده... الموت أشبه بصفعة عنيفة قد تذيب قطع الثلج الكامنة بداخلنا أو قد تساعد علي تجميد فيض العاطفة التي إنهالت علينا إثر الصدمة. أياً كانت آثار الموت فهي مؤقتة و الدائم الوحيد فيها هو المآساة التي ندركها فيما يخص الفقد و الشوق و الفراغ الذي يتركه الراحلون فينا. تلك الصحوة التي نشعر فيها بأننا تذوقنا طعماً للمرارة و رأينا لها لونا و أصبح لها شكلاً واضحاً نراه في أعيننا في كل لحظة رثاء.

 

الإدراك الحادي عشر:  التعايش مع الأشواق

تتراكم الأشواق فماذا نفعل بها؟ الآلام الأخري سنهزمها أو سنتجاهلها أما الشوق فهو الفجيعة الكبري لا يقهر. لا سبيل سوي كتمانها أن نلهي أنفسنا عنها كأننا مدمنون لا سبيل لتعافينا. أن نغرق في إصلاحات النفس المحطمة بالأشواق و لكننا ندرك أنه لا مفر منها ... لحظة إدراكنا لضرورة التعايش مع ذكري أحبائنا مع أشواقنا و إحتياجنا لهم بالرغم من إستحالة ذلك هي لحظة إكتساب المناعة ضد التعلق نظن فيها أننا أصبحنا غير متاحين شعورياً لن نكرر هذا الخطأ أبداً تكفينا الأشواق الحالية و هي اللحظة التي تكون فيها الوحدة هي أكبر مخاوفنا و لكننا ندافع عن حقنا فيها بإستماتة.

 

بعد كل تلك الإدراكات سنكتسب مهارة التحايل علي الإختفاء و سنستمتع بنشوتها .. الرجوع لما قبل الذاكرة حيث تأصلت الوحدة و تسللت من بعدها إلينا كالحبر الأسود علي أوراق الذاكرة البيضاء ... كأننا لم نكن و لم نقع كفريسة لكذبة التواجد.... نحن غير موجودون و سعداء بهذا الإختفاء الذي نتحكم فيه و يعذبنا... نحن ماسوخيون نحتفي بتعذيب أنفسنا و نحكم علي أنفسنا بالوحدة المؤبدة التي نتأرجح فيها بين الظهور و الإختفاء التواصل و اللا التواصل الحب و التيه الإلتزام و الإختناق و كل ثنائيات الخلل التي أصبحت تحافظ علي توازننا........

 

حين سئلوا الناس عن الوحدة قالوا:

"ولكنني إكتشفت يا صديقتي أنني أقبع هنا وحدي ، داخل هذه البقعة المظلمة التي تسمي غرفة ، إكتشفت أنني أتقوقع داخلها كل يوم اكثر ...وأنني أخاف من الضوء ، نعم أنا اخاف من الضوء لأنه سيمحي هذه البقعة السوداء ، هذا الظلام الذي شاركني وحدتي ، وإنني أحزن وحيدا ، وأفرح وحيدا ، صرت اخاف من البشر ! صارت بقعة الظلام من حولي و بعض من الموسيقي ، أكثر متعة من البشر ، فلا بقعة الظلام ستتركني و تتخلي عني، ولا الموسيقي ستنتهي وتفني" .

 

"حينما يكون إيقاعي سريع للغاية و لا يقدر أحد علي ملاحقتي.. حينما أصمت كثيراً.. حينما لا أتحمل النطر في عيون من أمامي.... حينما يكبلني الخجل أو حينما أنسحب من المواجهة. إنه جرس إنذار أن علاقتي بالعالم إختلت.... الإحساس بالوحدة مهم وعضوي.. الوحدة مثل كل المشاعر والدفاعات ستظل تلاعبنا ونلاعبها... الإنغماس في الوحدة واعتبارها قدر قد يكون قرار ما بالإنتحار، قرار ضد الحياة يحل لمن يتخذه.. أحاول أن أصاحبها وأتحملها وأصل بها إلي  نقطة أجمل وأكثر رحابة.."

 

"آه يا حبيبتي .... إنها تمتد لما قبل الذاكرة"

 

"في اللحظة بين إنتهائي من كتابة رسائل لأناس لم تعد موجودة و إدراكي أن تلك الرسائل ستحفظ في مكان ما و لن ترسل لأحد"

 

"إنها في وجودي مع الناس الذين يشعروني بالضياع"

 

"موت أبي ... شعرت أنني في صحراء جرداء و قد تجمد الزمن"

 

" في إضطراري للبقاء مع من أحب بالرغم من أنهم يروا الصورة التي كونونها عني لا يرون حقيقتي"

 

"رحيل أمي"

 

"شعور دفين بالإغتراب عن المحيط الخارجي و كل محاولات التواصل غير مجدية"

 

"غياب المشاركة"

 

"ألا أشعر بتفاهة ما يؤلمني في أحضان الآخرين"

 

"إفتقاد الشعور بالتقدير"

 

"حين ولدت و لم أجد بيني و بين أبي سوي غير الغربة و الكره و  الوصال المنقطع"

 

"أن أمضي كل عمري في شوق للأحياء"

 

"تأخر الأمنيات"

 

"لحظة دفن أبي و شعوري بأن العالم يتسع من حولي و يتحول لمساحة من الفراغ الرهيب الغير آمن و أنا أسأل: أين أبي؟"

 

"حين لم يقدر أحد علي التواجد الكامل معي ليطمئنني أثناء مرضي لمجرد أن إدراكهم لمرضي مختلف"

 

"كل يوم في إنتظار النوم"

 

"خذلان الأصدقاء و إستبعادهم لي"

 

"يوم نقل جثمان أمي و هي ملقاة علي كتفي في السيارة حتي نصل لمكان الدفن"

 

"لحظة فقداني لنفسي التي أحبها"

 

"غياب المسكن و المأوي "

 

"في كل مرة تقوم أمي بفتح الباب و الرحيل بعد خلاف مع أبي"

 

"الخوف من العجز دون سند"

 

" عندما أندم بعد أن أحكي لأحد عما أشعر"

 

"الأجزاء التي تنقصها الروح"

التعليقات