أسماء باسل تكتب : في حُب عم عبدالله .. في كُره الدولة والناس

 

"هذه ليست محاولة للكتابة من أجل تحقيق مكسب على حساب رجل ظل ينظف الشوارع ثم مات واقفًا، بل محاولة للتنفيس والصراخ في وجه الفقر وقلة الحيلة والموت بضجيج ليس له صوت، لكنه كـ القنبلة.. إنها محاولة لقول كلمة كالجبل الطابق على الأنفس : لقد سئمنا يا مصر".

 

مات عم عبدالله، أشهر عامل نظافة في مدينة قنا، وأقربهم لقلوب الناس، رجل عفيف اليد واللسان، لم نره ذات مرة يطلب كوب ماء من أحد، رجل يمثل الفقراء الكادحين من أجل لقمة عيش تُعين على الاستمرار في الحياة بصلابة، وليس بـ ترف، رجل له ظهر مُنحني، مُثقل بما فعله بنا الفساد في مصر، الكاسر لقلوب الفقراء، المُقشِّف لأياديهم.

 

عم عبدالله رجل لم يغب يومًا عن عمله، وكان لا يترك وراءه ذرة غبار، رجل مُسن لكنه كان يقضي وقته بين الكنس وجمع أوراق وعلب الآيس كريم والشيبسي التي خلّفها الأغنياء المتحضرين، أو ممن لديهم نقود يأكلون ثم يرمون بمخلفاتهم ليلًا للعمال الذين يستيقظون في الخامسة فجرًا، يبدّلون ملابسهم الخارجية في الشارع لبدء مهامهم التي كان من الممكن أن تكون أيسر بكثير لو أن الناس لديها رحمة ووعي بجانب النقود، ولو أن الدولة بها قانون يفرض على المواطنين الحفاظ على نظافة الشوارع بدلًا من كسر ظهر عمال النظافة وتشريح أياديهم، واتساخ وجوههم!.

 

عمال النظافة في قنا تحديدًا يحمل أغلبهم صفات مشتركة: "مُسنين، فقراء، لديهم أمراض ظاهرة، يعملون في دأب وصمت؛ كأن الدنيا أطبقت عليهم"، أما عم عبدالله فكان مختلفًا، جسده نحيل بفعل الشقاء، عيناه تحسب أنه لا يرى منهما لكنهما تلتقطان كل ورقة على الأرض، يداه حينما تلمسهما يدك للسلام عليه تذكرك بملمس أحجار الجبال التي نحتها المطر بعد غياب طويل.

 

تجسيد حقيقي لمعاناة ملايين يعيشون يوميًا قسوة الحياة في مصر بحذافيرها، أو عندما تكن شخصًا فقيرًا معدمًا، تعمل في وظيفة صعبة وتأخذ المقابل فتات لا قيمة له، في الوقت الذي من الممكن أن تكون فيه قعيدًابالمنزل في آخر سنوات عمرك تعوض شقاءه الفائت، لكن الحقيقة تؤكد أن عمرك وأوقاتك تضيع في صراع مع الحياة وصراع مع النوم على جانب لا يؤلمك ولا يؤرق نومك، حتى وإن كان الجانب الآخر به آلالام! إنه صراع طبقات بدأت تتناثر بفعل المكابدة، بفعل الفقر المُقنن، بفعل الإهمال المُتعمد، بفعل التأكد من أنه مهما كانت محاولات الشكوى، فإنها سوف تؤجّل للسماء.. لأنك فقير، ليس لديك "قريب" مهم، و ابنك يعمل باليومية ومتسرب من التعليم، وزوجة مريضة تترد على طوابير مستشفيات القطاع العام دون جدوى، بينما تنصحك للذهاب معها والانقطاع يومًا عن العمل لعلاج نفسك، لكن دون جدوى أيضًا!.

 

الفقراء في مصر ليسوا ذوي أهمية لدى الدولة، وليس لديهم في خططها نصيب، هم فقط مجرد عامل مساعد لكفة ميزان الطبقات في مصر، وحجة سريعة لتأكيد اهتمام المسؤولين بدورهم في التنمية والرعاية، حينما يبادرون بالتصوير بجانب أهالي يبدوا أنهم فقراء، قبل بدء إجراءات تغيير ونقل القيادات المحلية بأربعة وعشرين ساعة.

 

عمال النظافة ضمن هؤلاء الفقراء المحكوم عليهم بالشقاء والإهمال من كل حدب، من مواطنين يفعلون ما تفعله الحيوانات، يأكلون بالشوارع ثم يلقون بمخلفاتهم وهم آمنين، لأن عامل النظافة سيأتي جريًا لينظف ما ألقوه.

 

يعيش عامل النظافة هذه المعاناة يوميًا، ويعيشها بفداحة في آخر الشهر عند حصوله على أقل ما يمكن أن يعيش به طفل في أسرة صغيرة، لكنه يحمل راتبه بجانب آلالامه، مطويًا عليه الوقت والتحمل، راكضًا إلى أحفاد ينتظرون عودته منذ الصباح.

 

منذ عام وأكثر، سمعت حوارًا بين عاملين من العمال، كان أحدهما يشعر بالصداع والآخر ينصحه بالعلاج، فقام العامل المريض بفتح علبة كشري كان قد وضعها في عربة القمامة، وأخرج منها قطع الليمون ثم دعك بها جبهته لطرد الصداع، أوقفته وعرضت عليه نوعين من العلاج فاختار أحدهما بـ يد ، واليد الأخرى ممسكة بـ عربة القمامة قائلًا لي: "يعني البرشام ده هينفع؟ منهم لله مش راضين يزودولنا المرتب نتعالج" ثم مضى لشأنه، مخلفًا وراءه كره كبير لمن يعوق تحقيق العدالة والمساواة والمواطنة في هذا البلد الكريه، القاسي المُجحِف.

 

رحم الله عم عبدالله، الذي وقع أثناء عمله ومات بعدها بأيام حسب ما رواه الناس، ادعوا له بقدر الحب والسلام، وبقدر ما قست علينا مصر.

 

*صورة عم عبد الله نقلًا عن صفحة Human of upper Egypt

 

التعليقات