تيسير النجار تكتب: جينات بجماليونية‎

 

رجته العودة قبل العامين الباقيين فهي تشتاق إليه بشدة ولم يرضِ؛ اقترحت أن تسافر إليه لأنها لا تستطيع صبرًا، رفض، صرخ بها كيف تتركين أطفالنا وأمي وأمكِ وجميع من يحتاجون إليكِ؟ نحن نتحدث بالهاتف؛ وأرسل إليكِ كل ما تحتاجين إليه من أموال، أغلق الخط متعللاً بكثرة العمل.

فرت دموعها على وجنتيها؛ وراح قلبها يستعر، اتجهت إلى لوحتها وراحت تحدق في عينيه وتشكو إليه، متيقنة أنه يشعر بها محبوس خلف القضبان مثلها، نظرته يملؤها الرجاء حتى تخرجه، يشتاق إليها، بشفتيه التي عجز السجن عن قتل رغبتهما متأججتين بالشهوة؛ عروق يديه البارزة تثيرها، خصلات شعره المتمردة تلامس جبينه بإغواء، كان جسدها يرتعش من البكاء؛ تنتفض كفرخ مذبوح وعالقة بنحره الحياة، رأت ارتعاش أصابعه بين القضبان، من خلف غيمات دمعها حدقت؛ هرولت لألوانها وحررته؛ جعلت من القضبان ريحًا تعصف حوله، رغم البراح لم تخلق من يؤنسه؛ ذات الرجاء بنظرته؛ تمتص الوحدة روحها، مسحت المكان بنظرتها السريعة حتى تقتل شكوكها، تأكدت هو وهى فقط، مدت يدها إليه أمسكت بها، أخرجته.

انتصب أمامها واقفًا وعيناه تشعان ببريق تجهل اسمه، تعانقا بلهفة، مررت أصابعها بين شعره وجدت بعض الرمال، سحبته خلفها؛ حممته كطفل لها، أخبرته بكل ما يختلج بنفسها حين كان باللوحة، مجردة أمامه من كل تصنع وهو من صنيعها، نامت بجواره سرى الدفء في جسدها الذي كاد يتجمد من غربة زوجها شبه الدائمة؛ الذي أتخذها زوجة مقابل حساب بنكي يتضخم كل يوم.

نعمت في صحبته بكل ما حلمت به، لم تعد تنتظر وتسمع رنين الهاتف المتواصل حتى يرحم زوجها ويلبي النداء؛ ذهبا لتسوق الملابس العصرية جعلته أكثر جاذبية؛ ما إن تنشغل عنه حتى تلحظ فتاة تغمز إليه؛ وأخرى تحاول أن تلمسه؛ هو يبتسم زهوًا دونما اعتراض، طلبت منه العودة للمنزل؛ وافق حتى لا يغضبها ممتنًا إليها كثيرًا وهى ذات جمال أيضًا لكن الحرمان ظلل عليها بظلاله.

عاشا في مرسمها، خرجت في أحد الأيام لزيارة أهلها وعند عودتها وجدته مع ابنة الجيران في الحديقة يتهامسان ويضحك مغمض العينين كما يمزح معها، استعرت غيرتها، كيف يمزح مع فتاة أخرى!!

ما هو القصاص العادل منه؛ هرعت إلى المرسم دون أن تحدثه، ركض خلفها معتذرًا عن أمر لا يرى به خطورة تزعجها، لم تلتفت إليه، أحرقت اللوحة تأملتها تتحول الصحراء إلى حريق؛ بوحها يتساقط مع الرماد؛ نظرت خلفها رأته يتلاشى وتطير الرياح رماده.

التعليقات