هدير صبحي الشرقاوي تكتب: جسد للانتفاع فقط

جاءت لي صديقة يوما تبكي بشدة خائفة مرتبكة تردد جملة واحدة "هيكشفو عليا".. لم أكن أعلم ما يبكيها وما تخفي وراء الارتباك والخوف.. ظللت أهدئها وأسالها ماذا يبكيكِ وماذا حدث؟ قالت لي بكلمات غير منظمة وكأنها ليست هنا "ماما امبارح دخلت عليها بعيط وبقولها مخنوقة سمعتها بتقول لبابا بليل.. البت دي فيها حاجة لازم نكشف عليها".. لم أفهم ولم استوعب ولم أدرك ما معنى الكشف عليها!! ظللت أفهم منها الكثير، فعلمت أن الشك هو شك في سلوكها والكشف هو الكشف عن عذريتها.

من واقع الصدمة وما سمعت، قلت لا إراديا: ليه؟ لم تعلم هي لماذا ولا أعلم أنا! أكملت كلامها قائلة: "لما سألتها ليه بتقولي كدا وليه هتعملوا كدا؟ قالتلى من حقنا نطمن".

أدركت في هذه اللحظة أن أجسادنا ليست ملكنا.. نظرت لنفسي في المرآة أطالع جسدي.. هل أنت ملكي فعلا أم أنا حاملة لك للانتفاع فقط! نعم.. فأجساد الفتيات ليست ملكهن..

فمنذ الولادة، هذا الجسد يكون ملك للأسرة.. ذكورها أولاً فمن حقهم الكشف علي جسدك للاطمئنان على الشرف أي وقت.. ليس من حقك الاعتراض وإذا ما حدث سيزداد الشك وينتهي المطاف بين يديّ دكتور أو واحدة من نساء الأسرة تنظر إلى جسدك لتطمئن على "شرف العيلة" هل هو موجود أم لا..

من واقع بيئة ريفية نشأت وتربيت فيها بين طبقات مختلفة اختلطت بكثير من فتيات الريف، هذا المجتمع الضيق العنيف الذي يتعامل مع كل ماهو في الفتيات ملك لذكور الأسرة "الأب.. ثم الزوج.. العم.. الخال.. الجد.. الأخ.. ابن العم.. ابن الخال" تطوف أجسادنا من ملكية إلى أخرى.. فمن حق الأسرة في الريف ختان الإناث.. لا يعرفون ما معنى التجريم ولا يرون في الأمر شيء حرام.

فالفتيات لابد أن تختنّ حتى لا تجلب العار للأسرة.. فنزيف من دماء الفتيات كل يوم يسري على أيدي أطباء الوحدات الصحية أو الدايات أو جدّات الأسرة في اقتلاع أجزاء من أجساد الفتيات الصغيرات.

وعندما تكبر هذه الفتاة تعنف وتأتي المرحلة الأخرى من حياتها لزواجها وهي طفلة لا تتعدى الـ13 عاما حتى تتعفف و"تتستر"، لأن الفتيات عندما يكبرنّ بدون زواج يفلت زمام سلوكهنّ، فتصبح في يد زوج يغتصبها كل يوم لأنها زوجته، حقه، وما عليها سوى الخضوع لأن جسدها ملك لهذا الزوج.

وأنا صغيرة لم أكن أعلم أن جسدي للانتفاع فقط، ولم أكن أعلم أنه ليس ملكي، لم أكن أعلم أنه ليس من حقي سوى أن أتنفس من خلاله وأشرب وأكل كي أعيش في جسد هو في النهاية ليس من حقي وحدي، عندما كبرت حمدت الله أني لم أختن وأني كاملة وأن جزء من جسدي لم يقتلع، فرحت فرحة عارمة عندما أدركت ذلك، وحزنت لأنه أصبح من أحلام الفتاة في مجتمعنا فقط أن تكون كاملة.

نعم.. لأحلامنا أن تصبح أجسادنا ملكنا، لا تقتلع، لا تغتصب، لا يكشف عليها، لا تعنف لأنها فتاة، عندما تكبر الفتاة يصبح كل ما يتعلق بجسدها من شعرها إلى إصبع رجلها الصغير تحت المراقبة والكشف الدوري على هذا الجسد من الأسرة إلى أن تصل إلى بيت زوج يعلم الله وحده ماذا سيفعل بهذا الجسد. 

اتركو أجسادنا لنا نفعل بها ما نشاء.. اتركوها كاملة لا تقتلعوا منها شيء.. اتركونا في سلام مع هذا الجسد.. فقد كرهنا كوننا إناث في جسد للانتفاع فقط.

 

 

التعليقات