ميريت نبيل تكتب: الذكريات

قديما كنت ارتعب من زيارات الذكريات الأليمة المفاجئة. لم تكن حدثا مرحبا به على الإطلاق.  هجماتها شديدة  لدرجة تبعث الحياة من جديد في كل المشاعر التي اختلجتني وقت الحدث ذاته! كثيرا ما كنت اضطرب وأتقوقع على ذاتي. فكنت اذهب لعملي بوجه عابث متجهم وفي صمت محذر الكل من الحديث معي، بعكس طبيعتي البشوشة والثرثارة!

 

كنت أنكمش على ذاتي منسحبة من عالم الواقع لأيام، حتى تقرر الذكريات الرحيل لأنها تريدني في كامل هيئتي حتى إذا ما أتت ثانية تجد شخص يستقبلها وليس بقايا وحطام..

 

لكن مع الوقت تعلمت كيف أتعايش مع هذه الذكريات وأقبلها، بل إني قد خصصت لها حجرة لاستقبالها، مرحب بها أن تأتي إليها في أي وقت. فتحولت من عدو مخيف إلى صديق قديم، فليست مجرد جزء من ماضي بل جزء من حاضري ومستقبلي الذي أتمسك به. أصبحت جزءا من هويتي. فلم أعد أخشاها أو أرفضها أو أهرب منها. بل أصبحت رفيقة الكفاح والشاهد على تاريخي والسبب فيمن أصبحته.

 

مؤخرا سألتني صديقة عما إذا كانت الذكريات تختفي أو تموت مع الوقت أم هل تستمر و ل تستمر بنفس الثقل والحدة؟

 

فوجدت نفسي أتسائل عن ماهية الذكريات وهل لها عمر افتراضي ولماذا تأتي؟

 

هل تشعر الذكريات بالوحدة؟ 

أيعقل أنها تحتاج لدفء الونس والصحبة؟
دائما ما تأتيني بغتتة ليس كزائر.. بل كصديق قديم يعلم جيدا أن له حق المكوث.. تأتي بعشم و ثقة لتقضي بعض الليال معي في هدوء، حتى ما تطمئن على سريان الدم الدافئ في العروق ليبقيها حية.. 
ثم تمضي في صمت بدون وداع ولا وعود بالرجوع  أو عدمه..
فقط استيقظ في يوم فلا أجدها!
لكن كلانا يعلم أنها سوف تعود مرة بعد مرة.. تأتي في مواعيد لا يمكن التنبؤ بها، فليس لها نظام أو دورة حياتية مفهومة
لكنها تأتي باحثة عن بعض الدفء ليبث بها الحياة.
فهي تأبى الموت و تتحداه!
تصر أن تحتفظ بمكانها ومكانتها في القلب والعقل  بل وكل الكيان حتى تصبح جزءا ممن تكونه ليس اليوم فقط بل والغد! فكلما زاد خوفنا منها ومقاومتنا لها، كلما زادت هجماتها عددا وقوة و شراسة! وكلما زاد قبولنا  ترحيبنا بها، كلما قلّت حدة ألمها و زادت رقتها عند الزيارة..

عندئذ تطمئن وتمضي في سكون الليل.. لحين.. بل قد تجلب معها في زياراتها القادمة بضع ابتسامات أو دروس حياتية..
كلانا يعلم أنها سوف تعود لتمكث بضع ليال أخرى ثم ترحل في صمت فقط بعد أن تطمئن أنها لازالت تنبض بالحياة في عمق أعماقنا..

 
 
 
التعليقات