ميريت نبيل تكتب: الإدمان

الإدمان ليس فقط مخدرات و جنس و خمور. الإدمان هو كل عادة حتى لو كان ظاهرها إيجابي بمجرد أن يصبح لها أثر سلبي في صحتك الجسدية أو النفسية. بمجرد ما تفقد قدرتك على التحكم فيها وفي نفسك أثناء عدم تواجدها، تحولت من مجرد عادة -مهما كانت صحية- إلى إدمان هو المتحكم فيك. الإدمان ممكن يكون شخص، علاقة، رياضة، شغل، خدمة، تدين، حركة، تلفزيون، فيسبوك، فنجان قهوة أو أكل...

 

المدمن بيدمن لأنه غير قادر على مواجهة الواقع، بيشوف واقعه مؤلم جدا لدرجة تدفعه للهروب لإنه بيحس بأنه وحيد بلا سند يساعده و يطمنه إنه مش وحيد في المواجهة. شخص يشعر بالعدمية و اللاقيمة. يشعر بفراغ داخلي سحيق يسحق اي عزيمة و يدمر الصورة الذاتية.. الادمان ما هو الا اقراص مسكن يتعاطاها المدمن حتى يستطيع التعايش مع ألمه، بينما في حقيقته هو هروب و ليس تعايش. المدمن شخص لا يشعر بأنه محبوب و له قيمة، فبيلجأ للهرب من هذا الوعي الموجع و احساسه المستمر باليأس. يهرب سواء بطرق الادمان التقليدية او يبحث عن نفس النتيجة لكن بطرق صورتها المجتمعية مقبولة أكتر، طرق ظاهرها ايجابي لكن باطنها ادمان يدمر الصحة الجسدية أو النفسية أو الإثنين.

 

المدمن هو الشخص اللي الشغل بلع كل حياته ومبيعملش غيره، اللي مبيحسش إن له قيمة أو مكانة إلا لما ينجح في شغله، فيصبح الشغل هو المتحكم الآمر الناهي اللي بيرتب عليه بقية ظروف حياته.

 

المدمن هو الشخص اللي مبيعرفش يفرح إلا في وجود شخص معين ولو اختلفوا أو اختفى الشخص ده ممكن يفقد صوابه وأي قدرة على التفكير السليم أو الإيجابي.

 

المدمن هو الشخص اللي بيفقد التحكم في أعصابه لو محضرش التمرين أو مأخدش المادلية أو لو لم تسلط عليه الأضواء وهو بيعمل عمل خير فبيحرّم على البيت اللي عايزه الجامع. وهو الشخص اللي بيعد يفرك لو نسي تليفونه أو فصل شحن.. هو الشخص اللي فقد القدرة على الجلوس مع النفس ومواجهة الواقع.

 

سواء الطرق التقليدية أو الحديثة المتدارية،  فالمدمن في أصله جعان حب وقبول، روحه عطشانة للسند والونس ولو من شخص واحد فقط. . محتاج يصدق إنه محبوب وإن له قيمه في حد ذاته، لمجرد إنه موجود، بلا أي شروط.

 

هو شخص افتقد أكلة وكوباية مياة نضاف عشان يروي عطشه ويسد جوعه بيهم فأضطر ياكل من القمامة وبواقي الآخرين.. ملقاش غيرها زمان، ودلوقت ميعرفش غيرها. محتاج دعم قوي وصادق من اللي حواليه عشان يسندوه وهو بيقنع نفسه انه لازم يتعلم ياكل أكل نضيف ويبعد عن إدمانه. محتاج يصدق إنه له قيمة وفيه بعض الصلاح والنور وان في هدف و رؤية لحياته ممكن يعيش لهم، محتاج ده عشان ارادته تتقوى و تتغلبب على اليأس و الكسرة اللي جواه. في الاخر ارادته و رغبته الحقيقية هم العناصر الحاسمة في التجربة دي، لكن سلوكك ونظرتك له اثناء المرحلة دي ممكن يساعدوه او يشدوه لتحت و يدوسوا عليه.

في ناس وجودها في الحياة زي الصخر تقدر تتسند عليه لما البحر يشد عليك و ناس تانية تبقا زي الحجر في رجليك يشدك للغرق و يمنعك من النجاة..

الشخص اللي اتحب واتحضن واتطبطب عليه وهو صغير صعب يبقا مدمن. من وجد قدوة وحد يرشده بحب واعي وحازم صعب يبقا مدمن، من وجد من يهتم به و يدعمه بلا امتلاك او استغلال وهو صغير صعب يبقا مدمن. الشخص ده اتحوش عنده رصيد ثقة و حب و امان يحموه من هجمات اليأس و الايام الصعبة اللي بيزيد فيها الحيرة و التيه.

 

يمكن مش كلنا مدمنين بالمعنى التقليدي المنفر، يمكن كيمياء ادمغتنا لازالت منتظمة، لكن في الحقيقة كلنا لنا ادماناتنا و لو اختلفت انواعها و مستواياتها و مدى قبول المجتمع لها.

التعليقات