كاتب بريطاني: "الأسرار المتفجرة" تقتل 696 وتصيب الآلاف.. متاهة من الألغام تركتها الحرب العالمية في صحراء العلمين

 
 

كتب الصحفي البريطاني، بيتر شوارزيستين، مقالا لجريدة ديلي بيست، يتحدث فيه عما سببته الحرب العالمية من آلام لمصر وسكانها بعد أن تركت أرض مدينة العلمين مليئة بالألغام التي وصل إجمالي الخسائر البشرية بسببها إلى ٦٩٦ قتيل و٧٦١٦ منذ عام ١٩٨٢، وفقا لوزارة الخارجية.

كانت الحرب العالمية الثانية قاسية تجاه مصر، ففي حين أنها لم تكن مهتمة بالإشتراك في أي قتال، إلا أنها وجدت نفسها محاصرة وسط معارك القوى الأوروبية في تلك الصحراء الشاسعة والقاحلة. وفي حين أن معظم القوات قد أخذت دباباتها ورحلت، إلا أن الحرب بقيت في مصر على هيئة ١٥ مليون لغم أرضي، ومازال الكثير منهم مبعثر في أنحاء الصحراء حتى الآن.

ووقعت مهمة إزالتها على عاتق خبراء التخلص من الذخائر المصريين، وهم جنود ميكانيكيين يعملون مع خطر المتفجرات الأبدية يوميا، ولكن غالبا ما يحاولون توقع أماكن الألغام، وتحديد أفضل طريقة للتعامل معها، وعدد قليل منهم من يقضي وقته في المكتبة.

ولكن الجيش الإيطالي كان لديه اهتمام خاص بتاريخ تلك المتفجرات، حيث حارب جنودهم إلى جانب القوات الألمانية، ومات منهم الآلاف، وقد شاركت قواتهم أيضا في زرع بعض الألغام، ولذلك قضى عدد من الضباط الإيطاليين سنوات يبحثون في الملفات العسكرية التي غطاها التراب من أجل إيجاد الألغام، وكذلك بقايا جنودهم. فقد اكتشف ضابط جوي إيطالي عشرات الخرائط والصور الجوية في غرفة خلفية في روما وتستخدم من أجل التعرف على أكبر تجمعات من المتفجرات، منذ عقد مضى. وفي السنوات الأخيرة، وقال الباحثون أنهم قد رسموا أفضل صورة لساحات الألغام النارية حتى الآن، بمساعدة تلك الخرائط، ورسم اليوميات الشخصية ورسومات الجنود من كل الجهات.  

وقال ألدينو بونديسان، أستاذ في جامعة بادوا ورئيس المجتمع الجغرافي والجيولوجي العسكري الإيطالي، أن الخرائط القديمة لديها نفس النقاط المشار إليها وتستخدم نفس اللغة الموجودة في وقتها، والتي توثق باجتهاد بقايا حملة إيطاليا في مصر، وقال: "لقد أخذنا بعض المحاربين القدامى إلى مصر في إحدى رحلاتنا وتعرف على على عدد من الخنادق التي استخدموها".                                                           

فإنك حين تنظر إلى تلك المساحات الموجودة شمال شرق مصر الآن، سيكون من الصعب تخيل أنها كانت منذ زمن ليس ببعيد، واحدة من أكبر ساحات القتال في القرن العشرين. حيث اصطدم "بانزر" الألمانية وقطاعات من الدبابات البريطانية ببعضهم، في أكثر مناطق البحر المتوسط صفاء، أما الآن فهي عبارة عن مناطق سكنية مغلقة بطول ٧٠ ميل تقريبا على الساحل، يأتي إليها سكان القاهرة في شهور الصيف. وحيث كانت واحدة من أشرس المعارك بقرب القاهرة، بعد الطريق السريع شرق غرب مدينة الضبعة، توجد الآن بناءات من أجل أول محطة نووية مصرية يتم تمويلها من قبل روسيا.
 

ولكن في عام ١٩٤١ في ذروة الحرب العالمية الثانية، عندما اخترق الإيطاليين والألمان بقيادة المشير اروين روميل ثعلب الصحراء، عن طريق الخط البريطاني في ليبيا، وتقدموا بنية الاستيلاء علي قناة السويس وقطع وصول لندن لكل حقول النفط المهمة من إيران، تحولت هذه المنطقة إلى معركة دامت ١٨ شهرا طويلة من الدم، والقنابل، والصلب.
 

وعلى قمة أخر معركة شرسة في غرب الأسكندرية، أقامت الفرقة السابعة المدرعة البريطانية، المعروفة بإسم فئران الصحراء، أضخم الحصون دفاعيا، حول مدينة العلمين، وهي أضيق نقطة بين البحر وصحراء منخفض القطارة الغير قابلة للعبور تقريبا، حيث تواجه الجيشين، وزرعوا مجموعة كبيرة من الألغام لم يرها العالم من قبل. وقال جيمس موران، رئيس وفد الاتحاد الأوروبي في القاهرة: "في عام ١٩٤٢، بدا أنهم لم يفعلوا شيئا سوى إلقاء القذائف على بعضهم البعض، وزرع الألغام"، والذي تكلف أكثر من مليون يورو من أجل عملية الإزالة.

ولعدة عقود بعد انتهاء الحرب بقيت الصحراء كما كانت تقريبا أثناء وجود الجيوش المتحالفة، مليئة بمساعدات الطوارئ من الولايات المتحدة، وقادت دول المحور المهزومة خارج مصر في نوفمبر ١٩٤٢، كما كان مقدار المتفجرات والذخائر الباقية كبيرة بحيث لم تكن أربعة مخازن عسكرية في مدينة العلمين الجديدة، تكفي ما تم استخراجه من الأرض.

وقال ألدينو بوديسان أن  صناعة الحديد في مصر حافظت على نفسها لمدة عقود بسبب استخدامها الآلاف من الأطنان من المعدات العسكرية الثقيلة التي تم تركها بين الرمال.

ولكن في بداية الثمانينات، تغير الوضع بعد أن اكتشاف احتياطيات بترولية في الأماكن المنكوبة، وقامت مصر بتخصيص الكثير من المال فجأة من أجل تطوير الصحراء، وبعد تطبيق اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، وجد الجيش المصري الذي يعمل حكرا على إزالة الألغام، أنه قادر على سحب عدد من القوى العاملة بعيدا عن الحدود في واحدة من أكثر المناطق المتنازع عليها.

وقال فتحي الشاذلي، سفير مصري سابق في السعودية، والذي كان يعمل رئيسا لوحدة إزالة الألغام حتى وفاته الصيف الماضي: "بعد معاهدة عام ١٩٧٩، كان الجيش قادرا على رؤية ما بداخل الألغام، وحينها فقط أدركت كبر حجم المشكلة التي نواجهها".

ولحسن حظ السلطات المصرية، كان بونديسان وزملائه يجتهدون في العمل منذ عقود للآن، عاد الرائد باولو كاسيا دومينيوني، وهو مهندس عسكري، إلى أرض المعركة ما بين الخمسينات والستينات من أجل الحفر واستعادة ٧ آلاف جثة، وتعرفوا على كل زرع ألماني وإيطالي، من بداية الشركة المصنعة وحتى الفصيلة.

ومن خلال صور الأقمار الصناعية المطابقة لعلامات على خرائط "أفريكا كوربس"، وهي أكثر دقة من السجلات الإيطالية بسبب معظم الأقسام الألمانية الميكانيكية التي كانت قادرة على التراجع بطريقة أكثر تنظيما من نظرائهم، وقد أوضحت ما يصل إلى ٣٠ ألف موقع دفاعي، وتقول السفارة البريطانية في القاهرة أيضا أنها سلمت سلسلة من خرائط الحرب العالمية الثانية للحكومة المصرية في عام ٢٠٠٠.

قد يكون هذا البحث مثيرا للاهتمام للأكاديميين في معظم بيئات حقول الألغام، مع الاستخدام العملي محدود. ولكن في ساحة معركة كبيرة مثل شمال غرب مصر، حيث كانت القوات محتشدة على طول ١٠٠ ميل، ولعبت الألغام دورا مركزيا في إرسال العدو نحو أقوى التحصينات، فعند العثور على أكبر ساحات المعركة، تجد معظم الألغام.

وقال الشاذلي في مقابلة له بنهاية عام ٢٠١٥ في مكتبه بوسط البلد في القاهرة: "هذا هو سبب أن جمعنا لجميع الخرائط، والتي تبين فيها كان الألماني والبريطاني والإيطالي"، وكانت تنتشر في جدران غرفة العمليات الخاصة به نسخ من خطط معركة من العصر النازي.
 

أما بالنسبة لقوات الحلفاء، كان النصر في العلمين دفعة هائلة لثرواتهم، ونقطة تحول في الحرب التي شهدت سابقا اكتساح جيوش أدولف هتلر اكتساح قبلهم جميعا. حيث قال ونستون تشرشل: "قبل العلمين لم يكن لدينا انتصارا، وبعد العلمين لم نهزم ابدا".

وبالنظر إلى المهمة الهائلة التي لا تزال تنتظرهم في تطهير الصحراء، يأمل المصريين أن توفر تلك الخرائط  تقدم مماثل لقواتهم.

 

loading...
التعليقات