نظرة: المجال العام في مصر يواجه "انغلاقة" تشكل خطرًا حقيقيًا على كل ما سعت إليه الحركة النسوية منذ ثورة يناير

 

كشف مؤسسة نظرة للدراسات النسوية في ورقة بحثية جديدة أن المجال العام في مصر يواجه الآن واحداً من أكثر أنماط غلقه تضييقا على التيار المدني والمجموعات الحقوقية بشكل عام، وعلى المجموعات النسوية والنساء بشكل خاص.

وتابعت أن هذه الانغلاقة وذلك التضييق، يشكلان خطراً حقيقياً على كل ما سعت الحركة النسوية المصرية بأجيالها المختلفة على مدار السبع سنوات الماضية في تحقيقه على مستوى حقوق النساء بشكل عام وفيما يخص قضايا الجسد بشكل خاص.

وفي إطار حملة "موجة حرة" التي تطلقها مؤسسة نظرة ابتداء بيوم المرأة العالمي 8 مارس وانتهاء بيوم المرأة المصرية 16 مارس، تحاول نظرة قراءة التطورات التي طرأت على الأسئلة المرتبطة بأجساد النساء في المجالين الخاص والعام خلال السنوات الماضية.

وذلك إيماناً منها بأن المعارك التي تخوضها النساء المصريات في المجالات المختلفة مرتبطة بشكل أصيل بسؤال أجساد النساء في مواجهة الأبوية السياسية والاجتماعية والثقافية التي لا تحول فقط دون امتلاك النساء لأجسادها، بل تسمح في أوقات كثيرة بالتطبيع مع الانتهاكات وأشكال العنف المختلفة التي تتعرض لها تلك الأجساد.

وأشارت المؤسسة إلى أن هذه الورقة تحاول للإجابة على السؤال المرتبط بما إذا كانت ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 والسنوات التي تلتها قد أثرت على الأسئلة الخاصة بأجساد النساء في مصر.

وطرحت الورقة البحثية السءال: كيف قرأت أجساد النساء المجال العام في ال18 يوماً وما بعدها؟

بدأت بالنظر على كيفية قراءة أجساد النساء المصريات للمجال العام بوجه عام، وميدان التحرير بشكل خاص، خلال مظاهرات واعتصام ال18 يوماً الأولى من ثورة يناير 2011، حيث يحاول هذا الجزء توضيح الأسباب التي بناء عليها يتم التعامل مع تواجد النساء في ميدان التحرير خلال أيام الثورة الأولى باعتباره لحظة تحول في تاريخ علاقة أجسادهن بالمجال العام في مصر. كذلك يركز هذا الجزء على الأدوار التي لعبتها النساء المصريات في الثورة والتي ساهمت في رسم خريطة توقعاتهن بأن يكون لقضاياهن أولوية في حراك ما بعد الثورة.

وذكرت "نظرة" أنه طالما تواجدت النساء جنباً إلى جنب الرجال في الميدان، يهفتن، يستمعن إلى الناس، يكتبن الخطابات، يوزعن الطعام وينفذون اللافتات الحماسية، يداوين المصابين ويسعين للحفاظ على هذه الحالة من التضامن والمقاومة بين الناس. كان هناك مئات بل آلاف النساء يساهمن في توفير الطعام والأدوية واللافتات وكذلك في تنظيم المسيرات وشحذ الهمم لصالح الحراك بشكل عام.

وتابعت أنه لم يكن هناك اختلافات تذكر بين النساء المحجبات أو غير المحجبات، بين الأمهات وبين من النساء المستقلات، بل وبين الشابات والنساء الكبيرة في السن.

وبحسب البحث، لأول مرة منذ سنوات طويلة تشعر النساء المصريات وكأن أجسادهن مرحب بها في المجال العام. وهو الأمر الذي كان محفزاً لهن ليس فقط لكي يشاركن في ذلك الحراك الثوري باعتبارهن جزء أصيل منه كمواطنات مصريات، وإنما أيضاً لكي يتوقعن أن يجدن لأنفسهن مساحات في التحركات السياسية والاجتماعية المختلفة بعد الثورة.

لم يكن هذا التواجد المكثف لأجساد النساء في المجال العام جديداً ، فكما تقول الباحثة النسوية "لوسيا سوربيرا"، والتي تابعت عن قرب السنوات الأولى للثورة في مصر، فإن التاريخ المعاصر للنساء المصريات عبارة عن محاولات مستمرة لإعادة صياغة علاقة أجسادهن بالمجال العام. فرغم أبوية ذلك المجال العام ورغم محاولاته المضنية لإقصاء تلك الأجساد عنه، إلا أن هؤلاء النساء ناضلن لسنوات طويلة لكي يخلقن لأنفسهن مساحات به بشكل عام ولكي يكونوا جزءاً من أي حراك وطني أو سياسي أو مجتمعي، بل ولكي تكون لهن أدوار فاعلة ومؤثرة في الحركات السياسية المختلفة.

إلا أن لوسيا تعود لتؤكد على أن تواجد أجساد النساء في ميدان التحرير خلال ثورة يناير 2011 بدا وكأنه نقطة مختلفة في مسار علاقتهن بالمجال العام إلى الحد الذي دفع بعض هؤلاء النساء للقول بأنهن شعرن وكأن تاريخ التمييز الأبوي ضدهن قد تم تعطيله أثناء تواجدهن في الميدان أو أن الثورة بالنسبة لهن كانت ثورة شخصية ايضاً، وهو الأمر الذي وضعته سوربيرا موضع تساؤل في محاولتها لتحليل مدى اختلاف علاقة النساء بالمجال العام المصري بعد 25 يناير 2011.

وبحسب البحث "لم تلبث حالة الترحيب التي أبداها ميدان التحرير وغيره من ميادين الثورة تجاه أجساد النساء أن تحولت لحالة من العدائية والعنف سواء من قبل الأفراد أو حتى من قبل النظام السياسي الحاكم. لم تكن تلك الحالة متطابقة مع حالات العنف التي اعتادت أجساد النساء أن تتعرض لها في المجال العام المصري من قبل. فمن ناحية كانت المعطيات السياسية والاجتماعية مختلفة بدرجة أو بأخرى عما كان سائداً قبل الثورة، ومن ناحية ثانية لم تكن النساء المصريات على استعداد للتضحية بفرصة وجود مساحات لهن في المجال العام بعد أن نجحن في انتزاعها، ومن ناحية ثالثة كان على العنف الأبوي أن يجدد أدواته لتناسب اختلاف السياق السياسي وإصرار النساء على التواجد في ميادين الثورة أو في المجال العام بأطره الواسعة".

و بحسب نظرة فقد بدت تلك التحولات والعنف التي نتج عنها تجاه أجساد النساء أكثر وضوحاً في شهر مارس من عام 2011 ومن خلال واقعتين على وجه التحديد.

الواقعة الأولى كانت عندما تعرضت مسيرة النساء في يوم الثامن من مارس للاعتداء من قبل متظاهرين بميدان التحرير. المسيرة كانت نتيجة لدعوة تم نشرها عبر وسائل الاعلام الإلكتروني لتنظيم مسيرة مليونية احتفالا بيوم المرأة العالمي وكنوع من التذكرة بأهمية أن يتعامل حراك ما بعد الثورة الاجتماعي والسياسي مع قضايا النساء وحقوقهن باعتبارها واحدة من أهم أولوياته، خاصة بعد الدور الذي لعبته هؤلاء النساء في الثورة المصرية.

وتم اتهام النساء اللاتي شاركن في المسيرة من قبل المعترضين بأنهن جزء من النظام القديم أو أن مصلحة ما تربطهن ب"سوزان مبارك" بل وتم مطالبتهن بالعودة للبيت، كان عدد من الكتاب يتنافسون على نشر مقالات تطالب بإلغاء القوانين والتعديلات القانونية المرتبطة بوضع النساء في إطار منظومة الأحوال الشخصية وكذلك فيما يخص النساء والطلاق.

 

وتابعت نظرة أن الواقعة الثانية التي نبهت النساء لأن أجسادهن لم يعد مرحب بها في مجال عام ما بعد الثورة هي تلك الخاصة بكشوف العذرية والتي تم إجبار عدد من المتظاهرات على الخضوع لها في التاسع من مارس 2011.

وأشار البحث أن قرار هؤلاء المتظاهرات بالحديث عن الانتهاك الذي تعرضت له أجسادهن كان في مقابله ثمناً تضمن التشهير بهن على شاشات التليفزيون المصري المختلفة، خاصة عندما قررت إحداهن أن تلجأ إلى القضاء والذي قام بتبرئة الضابط الذي أجبرها على الخضوع لكشف العذرية.

 

وفقاً للكاتبة والباحثة في قضايا النساء والنوع، شيرين حافظ، فإن واقعة كشوف العذرية وما تلاها من وصم مجتمعي للمتظاهرات بالإضافة إلى وقائع أخرى من عنف ما بعد ثورة يناير ضد النساء، لم تكن أكثر من تأكيدات على مركزية أجساد النساء في المشهد السياسي والمجتمعي المصري منذ بدايات الثورة.

وترى شيرين حافظ أن أجساد النساء لم تكن غائبة في أي لحظة من اللحظات عن المعادلة السياسية والاجتماعية بل وأنه لا يمكن تقديم قراءة نسوية لدور ووضع النساء أثناء وبعد ثورة يناير 2011 بدون تحليل العلاقة بين أجساد النساء وبين تركيبة علاقات وأبنية القوى الاجتماعية والسياسية خلال السنوات التي تلت الثورة.

وبالعودة إلى المشهد النسوي المصري الحالي –بحسب نظرة- يمكن ملاحظة كيف شهد خلال السنوات الماضية من بعد الثورة ظهور جيل من النسويات الشابات، واللائي انخرطن في مجموعات ومبادرات نسوية شابة بمحافظات مصرية مختلفة من أجل العمل على القضايا المختلفة والمرتبطة بشكل أساسي بأجساد النساء وسلامتها وحقوقها. بالإضافة إلى ذلك يمكن قراءة التغييرات التي أحدثها ذلك الجيل من النسويات في الحراك المرتبط بأسئلة الجسد من منظور نسوي.

كما أنه بات واضحاً كيف أن معارك الحركة النسوية كانت ومازالت معنية بشكل أساسي في كسر الحواجز السياسية والمجتمعية والثقافية التي تقف حائلاً دون التواجد الكامل والآمن للنساء وأجسادها في المجال العام، مثلما كانت القضايا المرتبطة بالجسد والجنسانية سواء في المجال الخاص أو العام تحتل مكاناً محورياً في قائمة أولويات هذه الحركة.

الأسئلة الخاصة بأجساد النساء لم تكن فقط مرتبطة بواقع الانتهاك، وإنما ارتبطت كذلك بتكنيكات للمقاومة وبحراك نسوي شاب اعتبر القضايا المرتبطة بأجساد النساء أولوية في تعامله مع متغيرات ما بعد الثورة بموجاتها الأولى والثانية السياسية والاجتماعية. فعام 2012 على سبيل المثال شهد ظهور عدداً من المبادرات النسوية أو الداعمة لقضايا النساء بشكل عام وقضايا الجسد بشكل خاص.

تلك المبادرات، والتي عمدت إلى الاستفادة من الفرص التي قدمتها لها الثورة من حيث التواجد في المجال العام وقتها كما تمت الاشارة من قبل، ساهمت في دعم الحراك النسوي في المصري بالتركيز على قضايا أجساد النساء وبخلق خطاب حولها.

ف"ثورة البنات" على سبيل المثال والتي ظهرت في يناير 2012 عملت على دعم اختيارات النساء المختلفة وخاصة تلك المرتبطة بالجسد وحرية الملبس. كذلك "جرافيتي حريمي" والتي كانت معنية بأجساد النساء في المجال العام ولذا احتفلت في عام 2012 بيوم المرأة العالمي بأن خلقت لنساء ومدافعات عن حقوق الإنسان مساحات على جدران ميدان التحرير والميادين المختلفة من خلال الجرافيتي

. بنهاية عام 2012، كانت مجموعة "جنوبية حرة" والتي هي الآن مؤسسة مشهرة، قد خرجت إلى النور في أسوان لتدعم لامركزية الحراك النسوي في مصر ولتخلق مساحات آمنة لدعم النساء وسلامتهن الجسدية في جنوب مصر.

إلى جانب تلك المجموعات، ظهرت خلال السنوات الماضية أعداداً أكبر من المجموعات النسوية التي يركز كل منها على قضايا مختلفة وشائكة مرتبطة بأجساد النساء مثل القضايا المرتبطة بالصحة الجنسية والإنجابية للنساء إلى جانب المجموعات المعنية بالفتيات المستقلات بعيداً عن عائلاتهن واللائي يعملن على صياغة خطاب مرتبط بقضاياهن وتمريره مجتمعياً عبر الوسائط المختلفة .

من أهم سمات تلك المبادرات والمجموعات النسوية الشابة هو ربطها بين إشكاليات أجساد النساء في المجال الخاص وبين الإشكاليات الخاصة بتلك الأجساد في المجال العام، وهي السمة التي حتى يمكن قراءتها يمكن الرجوع إلى ما كتبته الباحثة والكاتبة النسوية دينيز كانديوتي عما أسمته هي "المفاوضات/ المساومات مع الأبوية".

وفقاً لكانديوتي، فإن النساء عادة ما تلجأ إلى التفاوض مع الأبوية من أجل الحصول على مساحات تمكنها من نيل حقوقها، خاصة وأن المواجهة المباشرة يكون ثمنها في كثير من الأحوال العنف والإيذاء النفسي أو البدني أو الجنسي. في السياق المرتبط بالموجة النسوية الرابعة يمكن استعارة "مفاوضات" كانديوتي والاختلاف معها في الوقت نفسه. إن وجود هذا الجيل من النسويات الشابات بعد الثورة عادة ما صاحبه تفاوض مع المنظومة الأبوية التي تعيش بداخلها وبالتحديد الأسرة حتى يمكنها التحرك بحرية أكبر في المجال العام، إلا أنه مع الوقت ومع تصاعد حالة العنف في المجال العام ضد النساء، أصبح ثمن الخروج من المنزل أو المجال الخاص أكبر مما تستطيع توفيره المفاوضات التقليدية، ونظراً لتصاعد ظاهرة العنف الجنسي وما طرحته من أسئلة حول أجساد النساء، أصبح على هؤلاء الفتيات التفاوض مع منظومة أبوية تمارس العنف في المجالين الخاص والعام على حد سواء. نتيجة ذلك كانت أن قررت هؤلاء الفتيات الخروج على مستوى حراكهن النسوي بأسئلتهن المرتبطة بأجساد النساء سواء على مستوى العنف الذي تتعرض له تلك الأجساد أو على مستوى الحقوق التي يجب أن تتمتع بها من المجال الخاص لربطها بأسئلتهن الخاصة بالمجال العام.

وفي ختام الورقة الحثية أشارت مؤسسة نظرة إلى أن المجال العام في مصر يواجه الآن واحداً من أكثر أنماط غلقه تضييقا على التيار المدني والمجموعات الحقوقية بشكل عام، وعلى المجموعات النسوية والنساء بشكل خاص.

وتابعت أن هذه الانغلاقة وذلك التضييق، وفقاً لعديد من المجموعات النسوية يشكلان خطراً حقيقياً على كل ما سعت الحركة النسوية المصرية بأجيالها المختلفة على مدار السبع سنوات الماضية في تحقيقه على مستوى حقوق النساء بشكل عام وفيما يخص قضايا الجسد بشكل خاص.

 
 
التعليقات