ورقة بحثية لـ"نظرة" عن تطور تناول قضية العنف الجنسي داخل الحركة النسوية والسياسية بعد 2011

 

 خاضت النسويات المصريات خلال السنوات الماضية، معركة عسيرة لتحقيق مكاسب متعلقة بقضية العنف الجنسي ضد النساء، قوبلت بعدم الاهتمام تارة، وبالتكذيب أو التواطؤ تارة أخرى، إلا أنهن في النهاية نجحن إلى حد كبير في خلق حراك على مستويات مختلفة، وتطوير الخطاب حول العنف الجنسي سواء داخل الحركة النسوية نفسها أو الحركة السياسية الأوسع.

وفي هذا الصدد أصدرت مؤسسة نظرة للدراسات النسوية ورقة بحثية، اهتمت فيها بأحداث الثورة تحديدًا كإحدى نقاط التحول في مسيرة الحراك بشأن العنف الجنسي، وتحاول الإجابة فيها عن سؤال: "كيف ولماذا تطور تناول قضية العنف الجنسي داخل الحركة النسوية والحركة السياسية والاجتماعية بعد 2011؟.

وتهدف الورقة البحثية لـ تحليل أسباب وكيفية تطور خطاب قضية العنف الجنسي بعد الثورة من قبل فاعلين مختلفين من منظور نسوي، وتعتبر الورقة بوضوح أن أحداث 2011 وما تلاها شكلت إحدى نقاط التحول في موضوع العنف الجنسي، وتسعى إلى فهمها، وإعادة تتبع وسرد أحداثها، وكذلك يمكن اعتبارها محاولة لتوثيق المبادرات والتجارب المختلفة والغنية التي ارتبطت بمواجهة العنف الجنسي بعد الثورة، سواء كانت منطلقة من منظمات نسوية، أو مبادرات نسوية وفنية شابة، أو داخل كيانات أخرى مثل الأحزاب والجامعات والنقابات.

وتنطلق الورقة من أحداث ووقائع العنف التي تم ممارستها في الفعاليات والتجمعات السياسية والاحتجاجات بعد 2011 (وليس من جرائم العنف ضد النساء عموما)، وما كان لها من تأثير على قضية العنف الجنسي ضد النساء بشكل عام.

تتطرق الورقة أولا إلى التغييرات التي حدثت على مستوى علاقة الحركة السياسية والاجتماعية بقضية العنف الجنسي، ثم تحليل التطور في تناول قضية العنف الجنسي في المجال العام داخل الحركة النسوية نفسها، وأخيرًا رصد للإنجازات الخاصة بالتشريعات والسياسات على مستوى الدولة، كنتاج للحراك النسوي والسياسي الاجتماعي.

وأشارت المؤسسة في ورقتها البحثية إلى أن مشاركة النساء في الفعاليات السياسية لم تكن أمرًا مسلم به بل كانت معركة حقيقة دفعن ثمنها غاليًا واصبح إدراك هذا الواقع أكثر وضوحًا خلال الثورة خاصة مع تصاعد وتيرة العنف ضدهن في التظاهرات والفاعليات السياسية، وبدأت تتشكل بوضوح ملامح خطاب عن العنف الجنسي في التظاهرات والتجمعات وضرورة مواجهته ما بين عامي 2011 و2013 ويظهر ذلك جليا بمتابعة فاعليات هذه الفترة ، فمن الخطاب الاحتفالي بمشاركة "نساء مصر" في الثورة إلى هتافات واضحة تدين الانتهاكات التي تتعرض لها النساء في المظاهرات مثل "بنات مصر خط أحمر" وتنظيم مسيرات نسائية لمناهضة العنف، وتشكلت الكثير من المبادرات والمجموعات لمناهضة العنف.

وتـرى نظـرة للدراسـات النسـوية أن العنـف الجنسـي ضـد النسـاء فـي المجـال العـام نتـاج للأبوية وكذلك أشــكال التمييــز التــي تتعــرض لهــا النســاء يوميــا علــى أصعــدة مختلفــة، وهــو لا ينفصــل عــن النظــرة الدونيـة للنسـاء التـي لا تـرى أحقيتهـن فـي الوجـود بالمجـال العـام وتسـتبيح أجسـادهن. كمـا نترى أن ديناميكيـات العنـف فـي المجـال العـام فـي مجتمعاتنـا متصلـة بشـكل وثيـق بالعنـف فـي المجـال الخـاص والـذي يبـدأ مـن تقييـد حريـة حركـة النسـاء مـن قبـل ذويهـن مـن الرجـال وحتـى أشـكال العنـف البدنـي والجنسـي الـذي يمـارس داخـل الأسـرة أو مـن الـزوج.

وأضافت "نظرة" أنه لــم تتأخــر جرائــم العنــف الجنســي كثيــرا فــي الظهــور فــي أماكــن التظاهــرات، فمنــذ فبرايــر 2011 بـدأت تتـوارد أنبـاء بخصـوص وقائـع عنـف ضـد النسـاء فـي ميـدان التحريـر خاصـة بعـد واقعـة الاعتـداء الجنسـي الجماعـي التــي تعرضـت لهـا، الرا لوجـان، مراســلة قنــاة "سـي بـي إس التليفزيونيــة" بالميـدان فـي أثنـاء تغطيتهـا الأحـداث، وأكّـدت أنهـا شـعرت أنهـا سـتموت لا محالـة عندمـا تعرضـت للاعتداء.

وفـي 8 مـن مـارس 2011 انطلقـت أول مسـيرة للمطالبـة بحقـوق النسـاء بمناسـبة يـوم المـرأة العالمـي، اعتدى خلالها علـى المتظاهـرات وتحـرش بهـن مواطنـون مجهولـون. وفـي اليـوم التالـي، فضــت القــوات العســكرية التجمــع الموجــود بميــدان التحريــر واحتجــزت بعــض المتظاهــرات وأجـرت كشـوف عذريـة إجباريـة لبعضهـن.

وأوضحت الورقة البحثية أن فبرايــر 2013 محطــة مهمــة علــى مســتويين، أولا توثيــق 19 حالــة اغتصــاب بالميــدان خلال الفاعليات الخاصة بذكـرى الثـورة الثانيـة، وكانـت مروعـة فـي عنفهـا، ثانيـا، أقدمـت بعـض الناجيـات مـن اغتصابـات نوفمبـر الحـادة، على الإفصاح عن هويتهن وحكاية شهادتهن علانية في وسائل الإعلام مما ساعد على التعريف بالقضية بشكل كبير.

وفيما يخص نقطـة التحـول الثالثـة التـي صاحبـت قضيـة العنـف الجنسـي فـي المجـال العـام بعـد الثـورة فهـي تحويلهـا إلـى قضيـة سياسـية تسـتدعي اهتمـام جميـع الفاعليـن السياسـيين والاجتماعييـن فـي المجـال العـام وليـس فقـط المجموعـات والمبـادرات النسـوية، أو تلـك التـي تشـكلت خصيصـا لمناهضـة العنـف الجنسـي، وكمـا لعبـت المنظمـات والمجموعـات النسـوية دورا مهمـا فـي طـرح قضيـة العنـف الجنسـي داخـل الأطر السياسـية المختلفـة، مثـل الألحـزاب والجبهـات وحتـى النقابـات والجامعـات، كان للنسـويات المنخرطـات فـي تنظيمـات سياسـية الـدور الأساسـي داخـل تنظيماتهـن، وبالتأكيـد كانـت الكثيـر مـن الأطـر السياسـية قبـل الثـورة بهـا لجـان أو أمانـات للمـرأة، لكـن قضيـة العنـف الجنسـي لـم تكـن مطروحـة داخلهـا بهـذا الشـكل كقضيـة سياسـية.

وذكرت المؤسسة أن نوفمبـر-2012 ينايـر 2013 كان نقطـة تحـول ليـس فقـط فـي حـدة أحـداث العنـف، بـل أيضـا في تسـييس القضيـة، فـي بدايـة الأمـر، عندمـا طرحـت النسـويات سـواء عضـوات الأحـزاب أو المنظمـات النسـوية، مشــكلة العنــف فــي التحريــر وبالأخــص الاغتصاب، قوبلــوا بالمقاومــة مــن قبــل أغلــب المجموعــات داخـل تنظيماتهـم، وكان التحــدي بخصــوص قضيــة العنــف الجنســي داخــل الأحــزاب متعــدد الأوجــه، المســتوى الأول منــه ارتبـط بالاعتـراف أصـلا بوقـوع تلـك الجرائـم، والمسـتوى الثانـي يخـص ليـس فقـط الاعتـراف بهـذه الجرائــم، بــل إدراك هــذه المجموعــات السياســية أن هــذه القضيــة تخصهــا كباقــي الأســئلة والقضايــا السياسـية المطروحـة عليهـم وأن لهـم دورا فـي مناهضتهـا، بـدءا مـن تقديـم خطـاب يدينهـا حتـى تحمـل مسـؤولية مباشـرة فـي تأميـن التظاهـرات وتحسـين شـروط الوجـود فيهـا، فـي ظـل غيـاب سـلطة الدولـة.

وبينمـا كان طـرح قضيـة العنـف الجنسـي فـي البدايـة متعلق  تحديـدا بالعنـف الجنسـي فـي التحرير لكونــه مجــال حركتهـم، إلا أن ذلـك اسـتدعى النقـاش والاهتمـام بقضيـة العنـف الجنسـي عمومـا داخـل هـذه التنظيمات السياســية وغيرهــا مــن التنظيمــات التــي نشــأت بعــد الثــورة، فأصبــح جــزءا مهمــا مــن أجنــدة هــذه الأحـزاب علـى الأقـل تلـك التـي بهـا لجـان للمـرأة أو مجموعـات نسـوية نشـطة، فمثـلا عندمـا اقترحـت أمانـة المـرأة بالحـزب المصـري الديمقراطـي الاجتماعـي أجنـدة تشـريعية للنسـاء فــي 2015 كان جــزءا أساســيا منهــا القوانيــن الخاصــة بالعنــف ضــد النســاء وتفعيــل القوانيــن الخاصــة.

وفـي بعـض التجـارب الحزبيـة والتنظيميـة الجديـدة التـي ظهـرت بعـد 30 يونيـو كان واضحـا الاختـلاف فــي النقــاش بخصــوص العنــف الجنســي، فرغــم كــون القضيــة مــا زالــت تثيــر الجــدل والاختــلاف فــي وجهـات النظـر فـإن النقـاش حولهـا أصبـح فـي مرحلـة أكثـر تقدمـا بوضـوح، وانتقـل الاهتمـام بقضيـة العنـف الجنسـي إلـى أطـر سياسـية واجتماعيـة أخـرى مثـل النقابـات العماليـة والمهنيـة.

التعليقات