"المبادرة المصرية": أوقفوا الجريمة لا الحياة.. عقوبة الإعدام انتهاكًا لحقوق الإنسان والشريعة الإسلامية لا تحث عليها

 

أبدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية معارضتها لعقوبة الإعدام من حيث المبدأ وفي جميع الأحوال وبدون أي استثناءات، مشيرةإلى أن العقوبة تعد انتهاكًا "جسيمًا" لحقوق الإنسان. واعتبرت أيضًا أنها لا تحقق الردع المرجو منها، بجانب أن الشريعة الإسلامية لا تحث عليها، بحسب المبادرة.

وفي بيان أمس الثلاثاء، أدانت المبادرة تمسك الحكومة في مصر بالعقوبة وتنفيذها وطالبت بتوقيع البروتوكول الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والهادف إلى إلغاء الإعدام كعقوبة. وأكدت على ضرورة تحقيق العدالة "بإيقاف الجريمة وليس الحياة".

وتابع البيان أنه "بالرغم من الفعاليات المناهضة لعقوبة الإعدام، وما تمثله من اتجاه عالمي نحو إلغاء العقوبة، ظل الموقف الرسمي للحكومة المصرية مشجعًا لاستمرار العمل بالعقوبة. ففي جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة للتصويت على وقف العمل بالعقوبة في ديسمبر 2016، قامت مصر بالتصويت ضد الطرح بوقف عقوبة الإعدام. وفي سبتمبر الماضي، أثناء دورة مجلس حقوق الإنسان السادسة والثلاثون، قامت مصر بالتصويت ضد قرار المجلس (A/HRC/36/L.6) الهادف لإلغاء عقوبة الإعدام".

 

كما أشارت المبادرة إلى أن هناك اتجاهًا عالميًّا متزايدًا نحو إلغاء عقوبة الإعدام، ففي أواخر ديسمبر 2016، كان عدد الدول التي ألغت عقوبة الإعدام لجميع الجرائم يقدر بـ104دولة، من بينهم دولة جيبوتي العربية (عضو في جامعة الدول العربية)، وهي الدولة العربية الإسلامية الوحيدة التي ألغت العقوبة، بالإضافة إلى جميع دول الاتحاد الأوروبي وفقًا للمادة الأولى من البروتوكول رقم 13 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تُلزم جميع الدول الأعضاء بإلغاء عقوبة الإعدام بشكل نهائي.

وبحسب البيان، بالإضافة إلى قرار الدول السابق ذكرها التي تمثل أكثر من 70 في المئة من دول العالم هذا بإلغاء العقوبة نهائيًّا، قامت سبعة دول بإلغائها للجرائم الجائية العادية، تاركة إمكانية الحكم بالإعدام للظروف الاستثنائية فقط. أما عن التنفيذ، فألغت عشرة دول أخرى عقوبة الإعدام من خلال الممارسة، أي أنها أوقفت التنفيذ لأكثر من عشر سنوات، من بينهم خمسة دول عربية، وهم: الجزائر والمغرب وموريتانيا واتحاد جزر القمر وتونس. ويعني هذا أن هناك أقلية متمثلة في 57 دولة حول العالم فقط ما زالت تطبق عقوبة الإعدام.

 

الإعدام في التشريعات المصرية

 

ويعاقَب بالإعدام على أكثر من مئة جريمة في التشريعات المصرية، بحسب المبادرة، منها 35 جريمة منصوص عليها في قانون العقوبات، من مساس بأمن الدولة داخليًّا وخارجيًّا ومساس بالأفراد، كما يحتوي قانون مكافحة المخدرات على 10 جرائم أخرى يعاقب عليها بالإعدام. يتمثل العدد الأكبر للجرائم المعاقب عليها بالإعدام في قانون الأحكام العسكرية، والذي ينص على 41 جريمة على الأقل تكون عقوبتها الإعدام. بالإضافة إلى كل هذا، أباح قانون مكافحة الإرهاب، الذي صدر عام 2015، معاقبة مرتكبي 15 جريمة أخرى على الأقل بالإعدام شنقًا.

وأضاف البيان: "على عكس التزايد في عدد الجرائم المعاقب عليها بالإعدام، قلّت مراحل تقاضي المتهمين بارتكاب تلك الجرائم. فحتى 27 إبريل الماضي، كان بإمكان محكمة النقض إلغاء حكم الجنايات وإعادة محاكمة المتهمين أمام دائرة جنائية أخرى، وفي حال الحكم من محكمة الجنايات الجديدة كان بإمكان المتهمين الطعن للمرة الثانية أمام محكمة النقض وفي هذه الحالة تتصدى محكمة النقض للموضوع ويكون حكمها باتًّا، ما أتاح للمتهمين الطعن مرتين أمام محكمة النقض.

ولكن تم إصدار تعديلات على إجراءات الطعن في إبريل بنظر القضية مرة أمام محكمة الجنايات ومرة واحدة فقط أمام محكمة النقض تتصدى فيه الأخيرة للموضوع. جاءت التعديلات بهدف تسريع إجراءات التقاضي، ولكن هذا ليس هدفًا إيجابيًّا بالضرورة. بل على العكس، إن تقليل فترات التقاضي وغياب إعادة المحاكمة - خاصة في قضايا يعاقب متهموها بالإعدام - بإمكانه تهديد سير العدالة وضمانات المحاكمة العادلة وحقوق المتهمين."

 

ثم قالت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن الشريعة الإسلامية لا تحث على تنفيذ عقوبة الإعدام، "بل على العكس، إن الشروط اللازمة من أجل إثبات القصاص تكاد تضمن عدم تنفيذ عقوبة الإعدام من الأصل".

أبرزت أنه لا يثبت القصاص إلا بوسيلة من اثنتين: شهادة شاهدي عدل أو إقرار الشخص المتهم. وأوضحت: "بالنسبة إلى الشق الأول، يشترط تطابق الشهادات حتى أدق التفاصيل، ولا يُقبل بالتضارب في الأقوال. كما يشترط صراحة الشهادات ورؤيتها للحدث، القتل مثلًا، بنفسها دون الاستناد إلى أقاويل أشخاص آخرين".

وجاء أيضًا بالبيان: "ومن أهم الشروط أيضًا في القصاص انتفاء الشبهة التي إن وُجدت بطُل الحكم بأكمله. يعني هذا أنه إن شعر القاضي بأدنى درجة من عدم الطمأنينة للشهادات على الجريمة فمن حقه، بل من واجبه شرعًا، عدم إثبات القصاص على أساس الشهادات - لأنه ببساطة أمر شبه مستحيل عمليًّا. أما عن السبيل الثاني للقصاص، وهو الإقرار، فيجب أن يقر المتهم بالجريمة أمام القاضي بضمانات عدم حدوثه تحت التعذيب أو التهديد به، وفي غياب تامٍّ للضغوطات أثناء فترات الاستجواب."

 

من الجدير بالذكر أيضًا أن الشريعة الإسلامية تدع مجالًا للعفو - ولكن ليس للجهة القضائية، وإنما لأولياء الدم، بمعنى أنه إذا قرر أهل الضحية العفو عن القاتل، لا يجوز قتله، ويمكن للقاتل دفع قدر من المال يحدده أهل الضحية وينتهي الأمر عند ذلك من جانب الشريعة الإسلامية. وحدثت تلك الحالات بالفعل في عدة دول عربية، على سبيل المثال في ليبيا والإمارات العربية المتحدة.

وتابعت المبادرة: "هناك جانب آخر تغفل السلطات المختصة عن توضيحه كذلك، وهو أن الكثير من الجرائم الحالية التي يعاقب عليها بالإعدام في القانون المصري لم يصدر فيها حكم شرعي من الأصل. فبالرغم من وجود ثلاثة جرائم فقط في الشريعة الإسلامية بإمكان المشرع - نظريًّا - الحكم فيهم بالإعدام، تعاقب التشريعات المصرية بالإعدام في أكثر من مئة جريمة، فيما يُعدُّ استغلالًا للشريعة من قِبَل السلطات للتوسع في تشريع الجرائم المعاقب عليها بالإعدام."

 

ووصف البيان عقوبة الإعدام بأنها انتهاك لحقوق الإنسان "بدءًا بالتعدي على أول وأبسط حق، أي الحق في الحياة".

واستشهدت المبادرة بنص المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي جاء فيه: "الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان". كما تضمنت المادة 59 من الدستور المصري أن "الحياة الآمنة حق لكل إنسان"، وهو ما أكدته المادة الرابعة من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، أنه "لا يجوز انتهاك حرمة الإنسان. ومن حقه احترام حياته وسلامة شخصه البدنية والمعنوية. ولا يجوز حرمانه من هذا الحق تعسفًا" .

وأشارت إلى أن مصر ملتزمة بالمواثيق الدولية التي صدَّقت عليها بموجب المادة 93 من الدستور المصري، التي تُلزم الدولة بالاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تصدِّق عليها مصر، وتصبح لها قوة القانون بعد نشرها وفقًا للأوضاع المقررة.

 

الإعدام لا يحقق الردع المجتمعي

وقالت المبادرة أيضًا أن عقوبة الإعدام لا تقوم بردع الأشخاص عن ارتكاب جرائم مستقبلية، سواء الجنائية أو المرتبطة بأبعاد سياسية بالنسبة إلى الجرائم الجنائية. وأبرز البيان  نفي إيفان سيمونوفيتش، مساعد الأمين العام لشؤون لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، وجود أي دليل على تحقيق العقوبة للردع.

وتطرق البيان إلى تعليق المفوضة السامية لحقوق الإنسان السابقة: نافي بيلاي، في منشور أصدرته المفوضية السامية لحقوق الإنسان عام 2012، أن أية اقتراحات مفادها أن عقوبة الإعدام لها تأثير رادع مبالغ فيها، واستكملت: "غياب كافة الأدلة في هذا الصدد ينص على أن تأثير الردع المتصوَّر لعقوبة الإعدام مبالغ فيه وتم التلاعب به لعقود".

 

وكان المفوض السامي لحقوق الإنسان الحالي، زيد رعد الحسين، صرّح في مارس الماضي، أثناء كلمته في المناقشة رفيعة المستوى والتي تعقد كل عامين بجنيف: "ربما هناك العديد من الأسباب، لماذا علينا الابتعاد عن عقوبة الإعدام، بدءًا من تطبيقها المتقلب والتمييزي بشكل دائم، فضلا عن فشلها في إثبات أي تأثير رادع أبعد من العقوبات الأخرى. إن المعاناة النفسية والجسدية الشديدة بسبب عقوبة الإعدام، والتي تؤثر على الشخص المعني وأعضاء الأسرة، يجب أن تضاف الآن إلى الحجة. يجب وضع حد لاستخدام عقوبة الإعدام".

وتابع البيان أنه فيما يتعلق بالجرائم غير العادية "فلم يثبت أيضًا أية نتائج ردعية لعقوبة الإعدام". فمثلًا، بحسب المبادرة المصرية، قال بِن إمرسون، المقرر الخاص المعنيُّ بحقوق الإنسان أثناء مكافحة الإرهاب، إن "اللجوء إلى هذا النوع من العقاب لكبح الإرهاب يعدُّ أمرًا غير قانوني بقدر ما هو غير مجدٍ. فهناك نقص في الأدلة المقنعة على أن عقوبة الإعدام يمكن أن تسهم أكثر من أيِّ عقوبة أخرى في مكافحة الإرهاب. كما أنَّ عقوبة الإعدام تمثِّل رادعًا غير فعَّال، لأن الإرهابيين ممن تنفذ فيهم عقوبة الإعدام قد يكتسبون مكانة متميزة هم وقضيتهم".

وفي فعالية الجمعية العامة للأمم المتحدة لمناقشة عقوبة الإعدام عام 2012، رأى المتحدثون أن جماعات الجريمة المنظمة تتخذ "قرارات محسوبة وتعتقد أن الكشف عن الإدانات وإدانته أمر غير محتمل"، في حين أن "الذين يرتكبون أعمالًا إرهابية لأغراض سياسية... غالبًا ما يكونون مستعدين للموت من أجل هذه القضية... ومن غير المحتمل أن تردعها عقوبة الإعدام".

وفي نهاية البيان عادت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وأكدت على مطالبتها الحكومة المصرية بتعليق العمل بعقوبة الإعدام، بدءًا بوقف تنفيذ جميع الأحكام الباتة والامتناع عن إصدار أيِّ أحكام إعدام جديدة.

كما حمّلت المسؤولية الكاملة للحكومة المصرية "في حال إعدام أشخاص من المرجح أن تُثبت براءتهم لاحقًا، وتعيد التأكيد على أن الردع الحقيقي يأتي من خلال إصلاح جذري لمؤسسات الدولة. على الدولة أيضًا تناول كافة المواثيق والمعاهدات الدولية المناهضة لعقوبة الإعدام بشكل جدي، والالتزام بالمعايير الدولية والمحلية لحقوق الإنسان".

التعليقات