نسوية| سارة بيصر تكتب: لا تطفئ الشمس

 

"الحورية البحرية"

 

في أقصى شمال مصر، حيث يلتقي البحر المتوسط مع نهر النيل في عناق حميم، بعد رحلة فراق طويلة ، كانت طفلة تراقص الموج، كعادة أبناء الصيادين الذين يعشقون البحر، ويجيدون السباحة فيه، وجهها كوجه القمر ليلة البدر، كانت عصفورة تهوى التحليق في أزقة المدينة، تلهو في شوارعها، وتتعالى أصوات ضحكاتها الطفولية المحبة للحياة.

بلوغ مقرون بقطراتٍ دم شهرية يداهمها، يسدل الستار على طفولتها من وجهة نظرهم، يجعلهم يأبون إلا أن يقطفوا زهورها، ويطمسوا ضحكاتها، فالآن هي عورة يجب أن تتوارى، فاِزهار الجسد، واتضاح تضاريسه، في ثورة جسدها الممتليء، بتفاصيله الأنثوية يخيفهم، يجعلهم يمارسون ضده كل طقوس الوأد.

فهي الآن فقط عليها أن تستعد لممارسة دورها الوحيد من وجهة نظرهم كآلة للإنجاب.

حيث انتزعوها من تعليمها، ومدرستها، وواروها في جلابيب سوداء، عُرضت للبيع قبل أن تبور بضاعتهم. آلات الإنجاب حديثة العهد بالبلوغ، لها سعر عال.

 حضر المشتري؛ رجلاً تجاوز الأربعين من عمره، محملاً ببعض من مال، وهدايا من تلك البلاد الذي يزورها في سفره، من خلال عمله كبحارٍ على متن السفن التجارية.

فعُجل بالزواج، وسيقت إليه في فستان أبيض، وبدون أي وثائق رسمية لتوثيق زواجهما، لأنها دون السن القانوني لتوثيق الزواج الرسمي،  سوى ذلك العقد العرفي الذي تم عقده عند محامي، حتى تكمل 18 سنة، فيتم توثيقه بشكلٍ قانوني.

أيام قليلة واستعر الجحيم، لا خروج، لا دخول، لا زيارات للأهل، لا أحاديث هاتفية، لا أحاديث مع الجيران، سجن كبير أقامه لها أبوابه من الشك والغيرة والتحكم.

ثمرة لهذا الزواج تنمو في أحشائها، طفل ينتظر قدومه في أجواء متنافرة، تتزايد وتيرة الخلافات بينهما، فيأخذ ورقة  زواجهما، ويسافر باحثاً عن مغامرة حب جديدة فيما وراء البحار، تاركاً إياها معلقةً، بعدما أغتيلت طفولتها، فلا شيء يثبت زواجها، ولا شيء يمكنها به إثبات نسب هذا الطفل القادم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

"الأرملة الكسيرة"

 

صابرين ذات السادسة عشر سنة، طفلة تحمل في أحشائها طفلة، وفوق ذراعيها طفلة، طفلة ترتدي ثوب الحداد، الذي ترتديه الأرامل على موت أزواجهن، انتحر زوجها، بعد أن كبلته مشاق الحياة وأعبائها، شنق نفسه بعد قصة حب عارمة جمعتهما.

حب في سن المراهقة، وقرار زواج سريع، جمع صابرين ومحمد، ذو الثانية والعشرين سنة، بالطريقة المعتادة لتوثيق عقود الزواج المبكر، للزوجات تحت السن القانوني، تم عقد زواجهما،  حيث يتم صياغة عقد عرفي عند أحد المحامين أو المأذين ؛ إلى أن تبلغ الزوجة السن القانوني، فيتم توثيق العقد بشكلٍ رسمي، لدى جهات الدولة المختصة بتوثيق عقود الزواج.

ورغم العقوبة القانونية التي يوقعها القانون على من يقيم عقد زواج لفتاة قبل أن تبلغ الثامنة عشر من عمرها، وعلى وليها، فإنه يتم عقد عقود الزواج لمن هن تحت السن القانوني، من قِبل بعض المأذيين أو المحاميين بوثائق زواج غير رسمية، طمعاً في مبلغ يتراوح بين 4000 جنيهاً مصرياً : 6000 جنيه مصرياً.

وهكذا تم عقد زواج صابرين ومحمد، وتزوجا في منزل عائلة الزوج. لكنهما، لم يستطيعا تحمل أعباء الحياة الزوجية، لحداثة سنهما، فانتحر الزوج بعد أن كبلته المشاق والديون، وترك الزوجة دون توثيق رسمي لعقد زواجهما، أو حتى شهادة ميلاد توثق ميلاد ابنتهما.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

"أحلام موءودة وإجهاض متكرر"

مأساة مكتملة الأركان.

نورهان الفتاة ذو الجسد النحيل، قصيرة القوام ، كانت لا تعبء بأي شيء سوى بدراستها، فتنهل من كتبها المدرسية ليل نهار، حتى أنها كانت الأولى دائماً على مدرستها.

خاطب يطرق أبواب بيتها، حلم الثراء يراود أهلها الذين يعانون من فقر مضجع، فلا يهتمون بأي سؤال عنه، سوى ماذا يملك.

 قرار سريع بتزويجها، كل استغاثاتها لم تجدي، أجبروها على ترك تعليمها، وزوجوها بالطريقة المعتادة، دون توثيق زواجها بعقدٍ رسمي.

جسدها النحيل لم يقو على تحمل مقتضيات الزواج ومسؤولياته ، إجهاض متكرر، وموتها يلوح كل مرة في الأفق.

زوج يتعاطى المخدرات، وتداهمه نوبات صرع بين الحين والآخر، يضع من بين مهامه اليومية ضربها بشكلٍ مبرح على أتفه الأسباب، مما جعل حياتها مأساة مكتملة الأركان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

"إحصائيات وحقائق"

وفقاً للمفكرة القانونية:

تنص المادة 227 من قانون العقوبات المصري على عقوبات قد تصل إلى الحبس لمدة قد تصل إلى سنتين على

"كل من أبدى أمام السلطة المختصة بقصد إثبات بلوغ أحد الزوجين السن المحددة قانوناً لضبط عقد الزواج أقوالاً يعلم أنها غير صحيحة أو حرر أو قدم لها أوراقاً، كذلك متى ضبط عقد الزواج على أساس هذه الأقوال أو الأوراق".

كما تعاقب المادة بالحبس أو بغرامة

"كل شخص خوّله القانون سلطة ضبط عقد الزواج وهو يعلم أن أحد طرفيه لم يبلغ السن المحددة في القانون".

تعد هذه المادة هي السبيل لمواجهة طرق التحايل على القانون المذكورة أعلاه. 

رغم العقوبة القانونية، مازال كابوس زواج القاصرات جاثم على صدور كثيرة.

يتربح المحامي أو المأذون ما بين 4000 إلى 6000 جنيهاً مصرياً في كل عقد عرفي.


وفقاً للمسح السكاني الصحي لعام 2014،

تبلغ نسبة السيدات المصريات اللّواتي أصبحن أمهات في الفئة العمرية من 15 إلى 19 عاماً في الريف 45%، مقابل 26% في الحضر.

كما تمثل مضاعفات
 الحمل والولادة السبب الرئيسي لوفيات وأمراض الأمهات قبل سن العشرين.

على المستوى الإنساني، تزويج المراهقات يفقدهن حق استكمال التعليم، ويحرمهن من التمتع بطفولة طبيعية، يقف عائقاً في طريق نموهم النفسي والنضج.

 

* نشر هذا المقال من قبل في موقع "الحب ثقافة"

 

*لمشاركتنا النصوص الإبداعية راسلونا على بريد إلكتروني: [email protected]

 

التعليقات