أماني عياد تكتب: إلا تعليم اللغات.. آه!

 

هناك نظريات مختلفة بخصوص تعليم اللغات الأجنبية للأطفال. أكثرها رواجا بالخارج ما انتهى إلى ضرورة البدء بلغة الأم. "لغة الأم" هنا تعبير حرفي يقصد اللغة التي تستخدمها الأم في القراءة والحديث والكتابة. وفي حالتنا لا يمكن إرخاء هذا التعبير على العامية المصرية بأي حال..فهي ليست لغة لها قواعد بناء واشتقاق ونحو بالمعنى العلمي، "عشان بتوع اقلبوها عامي يرتاحوا يعني"، وبالتالي فاللغة العربية هي الهدف الأول والأقرب. ناهينا عن الحديث المعاد المزاد الذي يغضبهم- لا أعرف لماذا- من كونها لغة قديمة وكثيفة الشروح والتدوين ومحفوظة بكتاب يعد الأوسع انتشارا على الكوكب الأرضي منذ وجوده.

 

المهم..لماذا لغة الأم؟ لأنها أول لغة يتلقاها عقل الطفل ويتعامل معها ثم ينتجها محاكاة لفترة، حتى يستطيع إنتاجها خلقا طوال العمر. النظرية تفترض أن العقل البشري يتعامل مع اللغة بصفة عامة بطريقة معالجة "processing" واحدة. وفي حالة إدارته لمعالجة اللغة الأولى بطريقة صحيحة لدرجة الإتقان، يصبح من السهل، بل ومن شبه المؤكد، معالجتة لأي لغة جديدة بدرجة إجادة عالية. عملية أشبه ب "تليين" الماكينة لتعمل بكفاءتها القصوى.

أما عن إدخال لغة الأم كفقرة ثانوية بين لغات أجنبية ثانية وثالثة في نفس الوقت وفي سن التعلم الأولي للأصوات والتراكيب والكتابة الابتدائية، فنتيجته تكون عدم إتقان الطفل المتلقي لأيها مهما بدا غير ذلك. والذي يبدو ظاهريا في مثل هذه الحالة هو فهم عام يظهره المتعلم بتلك الطريقة للغات المتعددة التي درسها منذ الطفولة معا. لكن الحقيقة هي أنه يكون غالبا دون المستوى المتوسط في إنتاجها كلها حديثا وكتابة، إلا استثناءات محدودة من ذوي الملكة الفطرية والمجهود المكثف في التعلم الفردي.

 

والحقيقة أن تجربتي الشخصية تعضد هذه النظرية. كانوا ينصحون الأجانب المقيمين في الولايات المتحدة والقادمين الجدد إليها بضرورة التعامل مع الأطفال في مرحلة التعليم الابتدائي داخل البيوت بلغة الأم. حتى ولو كان محيط الطفل كله طوال اليوم يتحدث الإنجليزية. وذلك لكي ييسروا على الطفل الأجنبي تعلم الإنجليزية نفسها. هم يهدفون لاتصال المخ مع اللغة الأولى حتى إتقان الحديث والقراءة على أقل تقدير، فيصبح تشغيل عملية جديدة بلغة أجنبية سهلا وسريعا.

كذلك لاحظت ذلك أيام دراسة الإنجليزية وآدابها في الجامعة. كنت أتصور أن معظم طلبة مدارس اللغات، ولم أكن منهم، يتقنون الشرح والتعبير بالانجليزية حديثا وكتابة، وهو للعجب مالم أجده أبدا من غالبية طلبة درسوا بالانجليزية مذ كانوا في الثالثة من أعمارهم! كنت أقرأ فروض الكتابة لرفقاء الدرس فأكتم عجبا كثيرا ما فشلت في مداراته! لغة ركيكة وغياب للفكرة وللتماسك وللتسلسل، ناهيك عن ضعف مريع في النحو والتراكيب وحتى علامات الترقيم! ثم تأتي أقسام التحدث والحوار فلا نجد تعليقا على حالنا ساعتها سوى الضحك! وأذكرك بأننا كنا دارسي لغة متقدمة وأدب! والأدب كما تعلم فضلوه على العلم!

أما عن حال العربية وسط كل ذلك..صغارا كانوا أم كبارا..فالدمع أصدق تعبير عن سوء الحال والله!

الشاهد...لا يجب أن نأسى كثيرا على قرارات وزارة التعليم حول أي تفصيلة من تلك التفاصيل. فتلك لعمري رفاهية أفكار نتداولها من باب حلاوة الروح! ولسان حال العقلاء يقول: يعني وهو في تعليم عربي يا خيّ؟!

أماالخوف على تعلم اللغات وتكافؤ الفرص وسوق العمل وأولاد البطة السودة و..و..و...فما هو إلا لغو نتلهى به عن حقيقة يبْطنها الكل ويتظاهرون بنسيانها:

(أعزائي.. لا يوجد تعليم حقيقي لأي شئ في هذه البقعة المنكوبة من العالم. شكرا.)

 
 
التعليقات