نسوية| نادين بدراوي تكتب: المرأة و البعد الإجتماعي

 
الأسرة ووضعها في المجتمع
تريد هوية فتصاب بالبركان... حيث أن “المجتمع هو الإنسان مموضعاً” تشكل الأسرة حجر الأساس في بناء أية شخصية ولا سيما شخصية إمرأة في مجتمعاتنا. ومن المفاهيم التي أوضحت معنى الأسرة بشكل شمولي المعنى الذي ذكره أوكست مونت وهو من العلماء الأوائل في مجال علم الاجتماع، حيث أوضح أن الأسرة هي الخلية الأولى في جسم المجتمع وأنها النقطة الأولى التي يبدأ منها التطور وأنها الوسط الطبيعي الاجتماعي الذي ترعرع فيه الفرد، وهي تعتبر نظام أساسي وعام يعتمد على وجودها بقاء المجتمع، فهي تمده بالأعضاء الجدد، وتقوم بتنشئتهم وإعدادهم للقيام بأدوارهم في النظم الأخرى للمجتمع، وإقامة أسر جديدة خاصة بهم، والأسرة أكثر الجماعات أهمية، وهي الجماعة الأولى التي تستقبل الطفل وتحافظ عليه خلال سنواته الأولى لتكوين شخصيته.
كما عرف آبراهام مازلو الإحتياجات في هرم قاعدته هي الإحتياجات الجسمانية ثم الأمن و السلامة ثم الحب و الإنتماء ثم التقدير و إحترام الذات ثم تحقيق الذات و المعرفة و آخرها الإحتياجات الجمالية و الذوقية. هذا الهرم أصابه خللاً جنونياً أصبح هرماً ورقياً ينهار سرعان ما يمر عليه بعض الهواء. تشكل الأسرة مجموع هذه الإحتياجات فلا فائدة أن يحاول إنسان ملء هذا الهرم وحده و إدراك تلك الحقيقة بتعقيداتها الغير متناهية أصبح كابوساً يستنزف كل ذرة منطق متبقية في عقولنا. التزايد المستمر في التفاصيل أصاب الكيان الأسري بإزدحام أصبح طارداً من ثِقَله لم تعد الأسر قادرة علي إحتواء أفرادها. تتحول الأسرة مع الوقت لمسرحية هزلية أو درامية يتفنن أفرادها في إتقان أدوارهم و لكن الخارج من المسرح في عداد الموتي. لكل منا مسرحيته الخاصة و سنحاول جاهدين أن نقوم بتسكين كل الأدوار كما يجب و لكن من يستطيع ملئ هذه الأدوار؟ الأم؟ الأب؟ الأخ؟ الأخت؟ كيف للمرأة أن تنجو وهي باحثة عن تعويض ما لشخوص لا تقبل العوض. أياً كان الشريك الذكر فهو لن يكون مناسباً أبداً. ماذا تفعل الأسرة في عقل المرأة؟
إن الأسرة تتخذ أشكالا متعددة فأولها:
الأسرة النواة
هي الأسرة المكونة من الزوجين وأطفالهم وتتسم بسمات الجماعة الأولية، وهي النمط الشائع في معظم الدول الأجنبية وتقل في اغلب الدول العربية، وتتسم الوحدة الأسرية بقوة العلاقات الاجتماعية بين أفراد الأسرة بسبب صغر حجمها، كذلك بالاستقلالية في المسكن والدخل عن الأهل، وهي تعتبر وحدة اجتماعية مستمرة لفترة مؤقتة كجماعة اجتماعية، حيث تتكون من جيلين فقط وتنتهي بانفصال الأبناء ووفاة الوالدين، وتتسم بالطابع الفردي في الحياة الاجتماعية.
الأسرة الممتدة
هي الأسرة التي تقوم على عدة وحدات أسرية يجمعها الإقامة المشتركة والقرابة الدموية، وهي النمط الشائع قديماً في المجتمع ولكنها تنتشر في المجتمع الريفي ،بسبب انهيار أهميتها في المجتمع نتيجة تحوله من الزراعة إلى الصناعة، وتتنوع إلى أسرة ممتدة بسيطة تضم الأجداد والزوجين والأبناء وزوجاتهم، وأسرة ممتدة مركبة تضم الأجداد والزوجين والأبناء وزوجاتهم والأحفاد والأصهار والأعمام، وهي تعتبر وحدة اجتماعية مستمرة لما لا نهاية حيث تتكون من 3 أجيال وأكثر، وتتسم بمراقبة أنماط سلوك أفراد الأسرة والتزامهم بالقيم الثقافية بالمجتمع، وتعد وحدة اقتصادية متعاونة يرأسها مؤسس الأسرة، ويكتسب أفرادها الشعور بالأمن بسبب زيادة العلاقات الاجتماعية بين أفراد الأسرة.
الأسرة المشتركة
هي الأسرة التي تقوم على عدة وحدات أسرية ترتبط من خلال خط الأب أو الأم أو الأخ والأخت، وتجمعهم الإقامة المشتركة والإلتزمات الاجتماعية والاقتصادية.
الأسرة الديمقراطية
ينتشر نمط الأسرة الديمقراطية في المجتمعات المتقدمة والصناعية، وهي أسرة تقوم على أساس المساواة والتفاهم بين الزوجين، فلا يتمتع أحد الزوجين بسلطة خاصة عن الأخر.
الأسرة الاستبدادية
أما تلك فتقوم على سيطرة الأب على الأسرة واعتباره مركز السلطة المطلقة داخل الأسرة ،ولا تمتلك الزوجة شخصيتها الاجتماعية أو القانونية.
 
النموذجين المسيطرين في المجتمع المصري الليبرالي هما الأسرة الممتدة و الأسرة الاستبدادية و إذا أضفنا عنصر الفقر سنلحظ تداخل النموذجين مع الأسرة المشتركة. كيف يمكن لإمرأة أن ترعي عقلاً في أسرة مستبدة ممتدة و أحياناً مشتركة؟ كيف لها أن تنجو من قفص الإتهام أو أن تتسم بنفسية سوية و هي دائماً تحت المراقبة الممتدة أيضاً؟ و ماذا يفعل الذكر في الأسرة الممتدة؟
لا يحافظ علي امتداد الأسرة غير الذكر فهو الأداة التي تسخدمها الأم النسورية لتتكاثر فهي تتزوجه ثم تلده لتحوله شيئاً فشيئاً لذكر نسوري يستخدم و يستخدم لخدمة المخطط الرئيسي التي وضعته فكرة النفعية الأساسية – العزوة – الإحتماء خلف وابل من المشاكل المركبة و المتداخلة و الغير منتهية لخطوط أسرية و دينماكيات في غاية التعقيد. و في المقابل بإرادة البض منهن و رغماً عن البعض الآخر فإن النساء سيخدمن تلك الأسرة الممتدة التي سرت النسورية في عظامها و التهمتها سيقدمن القرابين لإستمرار تلك الأسرة التي تعودن علي وجودها و أصبحن يمتدن الأمان منها حتي تصدأ قدراتهم و مهاراتهن و في النهاية يتحول الجنسين لجيف في انتظار نسره لا حاجز بينهما سوي الوقت أو القدر ... من سيفني قبل الآخر؟ من سيلتهم الآخر؟ و يعجل بتلك المسألة درجة التعليم و الثقافة و إمكانية وجود مقاومة للقدر الجيفي المحتوم فإن حتميته تأتي من غياب تام للإيمان في الوعي الجمعي بأي من قضاياه المدعاه فالوعي الجمعي يعبث كالطفل التائه بين الأيديولوجيات بحثاً عن أمانه لا عن يبحث في العقل عن العاطفة و في العاطفة عن فكرة و لكن بلا جدوي.
 
الوقت - السن
تري من أين تأتي المرأة بأفكارها؟ ثلاثية نقص العقل و الوقت و الجسد .. تري من قام بحبسها هناك؟ لماذا ارتبط الوقت بقدرات المرأة؟ أيوجد سن مثالي للمرأة لتكون هنا في هذه الحياة؟
علاقة كل الرجال بالوقت هي مسألة عمرية فمرور الوقت يقرب من العجز أما نحن فالوقت كالكابوس. الساعة تدق في كل دقيقة لأننا ننتظرالخوف. ننتظر و ننتظر و ننتظر و لا نجيد سوي الإنتظار اللعين. فأول القصيدة الحيض دماء و ألم نتحمله و نتحمل الخوف الناتج عنه لبقية الشهر فالعذرية خوف و الحمل خوف فنحن خوف مستتر في رداء أنثوي. ثم وقت الزواج سنبور و نتلف ثم وقت التكاثر والصراع البيولوجي فقربت صلاحيتنا علي الإنتهاء ثم تزامن كل ذلك و مقارنته مع الآخرين. السن الصغير أو الكبير في مجتمعاتنا لا يشكل فرقاً كبيراً فالحرمان وقلة التجارب عنصرين مشتركين. حياة مرهونة بمنبه دائم الدق يصيب بالصداع و يسرطن الراحة. حتي تسمية سن اليأس تسمية مليئة بالخوف فنحن ننزف و نتلوي ألماً ننتظر ننتظر و ننتظر لنيأس في النهاية. علاقتنا بالوقت موترة و ليست مرتبطة بالمتعة بأي شكل و لكن في المقابل لا يربط الرجل بالوقت سوي المتعة السريعة السهلة التي لا تؤلمه ولا تستنزفه حتي أنه لا يسمع دق عقارب الساعة و إن كانت تدق في رحم شريكة سريره. عاش الرجل حالة إنكار جمعي لعنصر الوقت في حياة المرأة و حين أدركه أقدم علي اختيارات نرجسية تمكن في إرضاء ضميره و الإثناء علي صورته أمام نفسه لا المصلحة المشتركة فحتي رغبته في الإنجاب أحياناً كثيرة تكون من منظور مغرور متعالٍ يرحم المرأة من فزاعة الوقت كالمخلص المنتظر. كل شئ منتظر متأخر ... كل شئ يتحول لصراع لحرب تبدأ من الإنتهاك الجسدي للموت للجيف.
يتسائل الباحث السوري جاد الكريم الجباعي في مقاله "ما بعد السيطرة علي جسد المرأة" - تري هل ثمة علاقة بين كيفية إدراك الزمن وبين حرية الفرد، ذكراً وأنثى، أو حرية الجسد، جسد الذكر وجسد الأنثى على السواء؟ تتلخص المسألة، في اعتقادنا، في كيفية النظر إلى الفرد الإنساني العياني، زيد أو هند، إما من خلال تصور سكوني لزمن مستمر، بإحداثياته ذاتها، ومستقل عن المكان، وإما من خلال تصور للزمن على أنه سيرورة تشكل وانحلال متناوبين، لا ينفصل فيها الزمان عن المكان؛ هاتان رؤيتان: تيولوجية (لاهوتية) وعلمانية، لا سبيل إلى التوفيق بينهما. محاولات التوفيق هي ما جعلت مجتمعاتنا تراوح في مكانٍ، لا هو خارجَ العصر ولا هو داخلَه، لا هو خارجَ الحداثة ولا هو داخلَها. كيفية إدراكنا للزمن تحدّد كيفية إدراكنا للعالم، إدراكنا أن البنى البطريركية والبطريركية الجديدة، والسلطة/السلطات المنبثقة منها، لا تعترف باستقلال الفرد الذكر وحريته، أي بإنسانيته، إلا اعترافاً مشروطاً، ولكنها لا تستطيع أن تعترف أبداً بحرية المرأة واستقلالها الكياني، لأنها إذ تفعل ذلك تتفسخ، وتكف عن كونها بنى بطريركية. وإدراكنا أن الجسد، الذي يعتبر إلى اليوم موضوعاً للطب، والطب النفسي وغيرهما من العلوم، وموضوعاً للنظر إليه جمالياً، وتشكيله اجتماعياً، وفقاً للوظائف المنوطة به، ولا سيما جسد المرأة، هذا الجسد المُشيَّأ، أي المجعول شيئاً، هو بيت الوجود الفسيح، وشكل الحياة، وهو الذي يمنح الفرد هويته الجذرية، التي يطمسها المجتمع. والأدهى من ذلك أن يكون الجسد، من حيث رمزيته الاجتماعية، مكاناً للثأر والانتقام، فالجسد من وجهة نظر المجتمع بناء رمزي، يتخطى حقيقته الواقعية أو كينونته. ومن هنا تنشأ التصورات المختلفة وفقاً لاختلاف المجتمعات والبيئات، التي تسعى إلى إعطائه معنى وقيمة، فهو بناء اجتماعي وثقافي.
 
إذا كان الجسد غير مرئي و هو الشئ الوحيد الملموس في الكيان البشري فكيف نري الوعي؟ كيف نري الوقت الذي يمر من أمامنا كجذر لا ينتهي؟ كيف للمرأة أن تتحرر من الصبر كجزء من طبيعتها؟ كيف لها ترويض الوقت؟ من يعينها علي ذلك؟ فالأم هي العدو و الإبنة هي الرهينة الأب هو الطاووس و الأخ هو التابع أما الزوجين فهما الجلاد والضحية الروح الواهنة و الجسد الذابل هرباً من حتمية الوقت وضياعه.

 

التعليقات