محمد سميح يكتب: الناس اللي برا دول الوحوش اللي برا دول

 

تمثل شخصية أسامة"باسل خياط" فلسفة انعزالية تفضل البعد عن الناس، يخلق أسامة عالمه الخاص لدرجة استخدامه تعبير "الناس اللي برا دول"، وأهم خطيئة يرصدها أسامة في الناس الخارجين عن عالمه؛ الكذب، ففي ذلك العالم الخارجي الكذب دومًا مبرر باسم الخوف على المشاعر، أو من أجل الحماية، ولكنه وحسب رؤية أسامة فهو درب من الأنانية والمصلحة المبطنة التى تتجمل بماكياچ، فنجد أن كريمة "حنان مطاوع" تكذب على أختها غير الشقيقة كارما "ثراء جبيل" وتخبرها بوفاة والداتها منذ طفولتها مع أن الأم حية ترزق، كذلك تكذب سارة "مي سليم" على آدم"وليد فواز" وتبدأ معه حياتها الزوجية بكذبة ستدمر بينهما كل شيء، حتى رانيا-زوجة أسامة- "ريهام عبد الغفور" تتعرض للكذب من كريمة.

 

إلى جانب الكذب كخطيئة أولى في العالم اللي برا، يبدو العالم همجي ومسعور في محاولة توكيد الأنانية والمصلحة التي تحرك الكل، نجد أن صلاح عامل الفندق الذي يعرض المساعدة على رانيا في إخفائها من زوجها الذي يطاردها  -أسامة- ، يستغلها في تهريب المخدرات، ويجعل من الشقة التي أجرها لها مخزن للمواد المخدرة، وكادت أن تحاكم بتهمة الاتجار في المخدرات لولا تدخل أسامة، أيضًا في مشهد عبقري بالملاهي حيث يقف الجميع بالطابور، وعند مرور شخص دون الوقوف بالطابور يخبره أسامه بوجوب أن يأخذ دوره فنجد الرجل يعنفه ويلقيه أرضًا في ظل هلع أسامة مرددا على مسامعه : "معايا بنتي معايا بنتي"، ويخبر أسامة رانيا في جوابه إليها " أنا تعبت يا رانيا اتهنت قدام بنتي أتكسرت قدامها".  

 

الوحدة كسرطان يحكم العلاقات:

 

 

ما بين الأربع أصدقاء  كارما وياسمين "جوليا شواشي" وعمر"محمد مهران"  وحسن"إسلام جمال" ، نجد أن عمر في علاقة مع ياسمين، ولكنه معجب بصديقتها كارما التي لا ترفضه حين يتودد لها ثم تعود تبرر ذلك بأنه تقرب في وقت كانت وحيدة وتعاني، بينما حسن يصرح لكارما بحبه فلا ترفض أو تقبل، ولكن حين يفاجئها بخاتم الخطوبة في معرضها -معرض الفوتوغرافيا- ترفضه، يزعل منها وحين يعلم ما يجمعها بعمر ينفجر فيها ويوبخها ويذهب ويفشي السر لصديقة عمرها ياسمين-المرتبطة بعمر- ثم يعود ويتصالح مع كارما، ويحاول ان يصلح ما أفسده بين الصديقتين، وكأنها دائرة مفرغة من مسرح يوجين أونيل أينما بدأ الأبطال في أعماله يعودون إلى نقطة الصفر بعد كل سير الأحداث.

 

حين تفكر رانيا في الرحيل من منزل كريمة تخبرها كارما أنه لابد أن تبقي لأنها تمر بمحنة وتحتاج وجودها ، وحين تكشف كارما كذب كريمة عليها في موضوع أمها، تفكر كريمة في أن تصارحها بأنها مصابة بالكانسر حتى تتعاطف معها وتسامحها.

 

إن هذا جزء جانبي على شريط الدراما في الرحلة يعبر عنه أسامة بأوصاف الأنانية والغرور والاستخفاف.

 

المقابلة الدرامية بين شخصيات أدم وأسامة:


 

تبدأ العلاقة بين الثنائي بتحدٍ، ينتهي بخضوع وإعجاب ضمني من آدم بأسامة، ويظهر آدم متهور متسرع، بينما يبدو أسامة أمامه أكثر ثقة وهدوء.

 

الأبعاد السادومازوخية في شخصية أدم:

 

على عكس أسامة يظهر آدم شديد التناقض، يهتم كثيرا بنظرة الناس له، في حالة دائمة من الفخر بنفسه تتضارب بشدة مع عدم ثقة بنفسه، يدين ما يفعله أسامة من حبس رانيا زوجته، ثم يعيد هو نفسه نفس الأمر مع زوجته سارة، أن أسامة أقرب للشخصية السادومازوخية التى تقع ما بين شخصية السادي والمازوخي، حيث تعتمد في علاقاتها على هستريا تستمد منها لذة وألم، وتبدل أدوارها ما بين سيطرة وخضوع، فنجده بمنتهي البساطة يقرر أن يغتصب سارة حصولا على ما يسمي حقه الزوجي-أو ليطمئن لأنها لم تقم علاقة قبله- وفي نفس الوقت يبكي بأنه يحبها وأنها دمرت حياته، إنه نمط يطبع تلك الشخصية، حيث تبدأ بالضرب واللوم وتمثيل دور الضحية، مما يجعل العلاقة معها أكثر استدامة وتعج بالمزيد والمزيد من الهستريا.

 

عالم أسامة وتشييد فلسفته الانعزالية:

 

كان أسامة طفلاً غريب الأطوار أو مختلف بشكل ما، مما كان يعرضه للتنمر والاستهزاء، وأحيانًا العنف، وكانت نصيحة عمه له أن يقابل ذلك العنف بعنف أكبر، وكانت والدته تعامله بإهمال شديد، كما أنها كانت تخون والده، ومن هذا في الغالب نشئت عزلة أسامة أو رفضه للعالم، وحين أحب رانيا، حب أن ينعزل عن العالم معها، وإن كان ذلك الموقف أنهك رانيا ولم تتقبله، مما جعل أسامة يستخدم المهدئات في إخضاعها، ويحبسها رغما عنها في بيتهما بلبنان، إلا أننا نجد أن أسامة، يشيد عالم كامل ومتماسك لدرجة أنه على استعداد أن يلعب دور صديقة رانيا ويحدثها كامرأة ترتدي باروكة شعر نسائية، وأن يلعب مع أبنتهم سلمي كأنه طفل صغير، إن ما يبدو تدميرا لرانيا، يحمل في داخله حنية وحب من رجل يود أن يحفظ ما يحب ومن يحب بعيدًا عن هذا العالم الملوث، ومستعد تمامًا للعب كل الأدوار في العالم الذي يهرب إليه، وبعد هروب رانيا يبدي استعداده للتنازل والعيش وسط الوحوش اللي برا دول لأنه يحبها.

 

الرحلة:

إن ما يجمع بين أسامة وآدم هو الرحلة، ولكن رحلة آدم كانت للداخل يكتشف فيها مجاهل أعماق ذاته المختلفة عن ظاهره أو ما يود أن يظهر، بينما رحلة أسامة للخارج يؤكد فيها ما يظنه عن الناس والحقيقة التي يعلمها عنه، إن الشعرة التي تفرق بين آدم وأسامة، إن أسامة موقف أصيل من الحياة، بينما آدم مجرد انفعال كلما هدأ أنفعل ثانية من جديد.

 

المقابلة الدرامية بين شخصيات رانيا وسارة:

 

تشترك شخصية رانيا مع سارة-زوجة آدم- فى كونها رد فعل، على محاولة سيطرة ذكورية تسعي للهروب منها، إلا أن ما يفرق رانيا عن سارة، هو نفسه الفارق بين أسامة وآدم، رانيا تبحث عن السلام فى هروبها من أسامة، وأسامة ينشد السلام من انزوائه بعالمه، أما سارة تفكر كثيرا في الانتقام من آدم -وإن كانت غير قادرة-، كما يتلاعب الانتقام منها بزوجها آدم.



 

الناس دول لو اختفيتي حياتهم هتمشي عادي أنا بس اللي حياتي واقفة عليكي يا رانيا

 

وتبقى رانيا حائرة بين هشاشة العلاقات في الخارج ومخاطرها، أو السجن مع أسامة في الداخل، الحرية والسطحية، أم التملك والحب العميق؟

 

مسلسل الرحلة 2018

إخراج: حسام علي

تأليف: نور شيشكلي

سيناريو وحوار: عمرو الدالي – أحمد وائل

مدير تصوير: كريم أشرف

موسيقي تصويرية: محمد مدحت

 
التعليقات