نسوية| نادين بدراوي تكتب: المرأة كجزء من الطبيعة.. الحقيقة والوهم– العقل والجسد

 

زرت منزل صديقة لي ذات مرة و أثناء الزيارة تعرفت علي والدتها و تحدثنا قليلاً عن حال المرأة في المجتمع فقالت لي أن الأرض و الشمس مؤنثتان و أن القمر مذكر و يستمد ذاته من الشمس. يبدو لي أن كل ما له علاقة بالدفئ و الصلابة مؤنث و أن الضوء و الظل مذكران. المرأة هي العدو الأول لذاتها و ما الرجل إلا إنعكاس لصورتها فهو قمر لشمسها.

 

إذا نفرت المرأة من طبيعتها و قررت أن تكون قمراً بدلا من الرجل و وهبته دور الشمس يختل ميزان الكون و يختل الرجل من هول المسئولية و يخلو العالم تماماً من الدفئ و تصبح أرضنا عطشة و ضعيفة. قالت لي والدة صديقتي أننا نهب الحياة و أن التحمل قدرتنا و قدرنا قالت " لا أعلم ما هو مقابل كل تلك القسوة و لكن التحمل فطرتنا كوني امرأة و كوني قوية" فكنت و حينها فقط اقتربت أكثر من الرجال و وجدتهم مستضعفين. قست الذكورية علي الذكور و لم تحميهم كما تخيلوا فكما جعلت منا ضحايا جعلت منا مناضلات و لكنها شوهتهم تماماَ. رجالنا مسوخ يظنون أنهم يقدمون خدمة لأنفسهم مهووسون بضعفهم و مرعوبون من دنوهم فأسقطوا مخاوفهم المكتسبة علي أنوثتنا حتي أصبح كوننا نساء بمثابة إدانة لا نعمة.

 

تقول كاميلي باليا في كتابها "أقنعة جنسية"(ترجمة و تقديم ربيع وهبه) أن "توحد المرأة مع الطبيعة كان توحداً شاملاً في عصور ما قبل التاريخ. إذ نجد في مجتمعات الصيد أو الزراعة المعتمدة علي الطبيعة أن الأنثوية femaleness كان محتفي بها و يتم تمجيدها علي كأساس بارز للخصوبة. و مع تقدم الثقافة وفرت الحرف و التجارة نوعاً من تركيز الموارد كان من شأنه تحرير الرجال من نزوات الطقس أو إعاقة الجغرافيا. و كلما تراجعت الطبيعة خطوة واحدة عن المشهد كلما تقهقرت أهمية الأنثوية. لقد استطاعت الثقافات البوذية أن تحافظ علي المعاني القديمة للأنثوية لفترة طويلة بعد أن تبرأ الغرب منها. الذكر و الأنثي (يانج) و (يين) بالصينية يمثلان معاً قوي متوازنة و متغلغلة في الإنسان و الطبيعة يخضع لها المجتمع. أما المجتمع فهو بناء مصطنع دفاع قوة ضد الطبيعة و من جون وجوده لكنا قد طرحنا عرض ذلك البحر اللجوج: الطبيعة. فالمجتمع نسق من الصيغ الموروثة التي تقلل من خضوعنا السلبي الذليل للطبيعة. و قد نبدل نحن هذه الصيغ بهوادة أو فجأة. و مع التحول من العقيدة الأرضية إلي العقيدة السماوية تحولت المرأة إلي المملكة السفلي فقواها الإبداعية الغامضة و التشابه بين ثدييها المكورين و بطنها و أفخاذها و بين الخطوط الراسمة لملامح الأرض و تعرجاتها- وضع المرأة في مركز الرمزية المبكرة.لقد كانت المرأة معبودة لسحر البطن belly-magic . فقد بدت و كأنها تتنتفخ و تلد وفق قانونها الخاص. و منذ بداية الزمن بدت المرأة طياناً غريباً غامضاً. و قد أجَلًها الرجل و لكنه خافها. فقد كان هي الفك المظلم الذي لفظ الرجل خارجه و سيعود ليبتلعه مجدداً. و من ناحيتهم و مجتمعين – اخترع الرجال الثقافة كدفاع ضد الطبيعة الأنثوية. إن المطابقة بين المرأة و الطبيعة يعد أكثر المصطلحات تشوشاً و إزعاجاً في هذا الجدل التاريخي. و هل يمكن أن يظل صادقاً يوماً ما؟ إم معظم النسويات من قرائنا لن يوافقن علي ذلك. و لكنني أعتقد أن هذه المطابقة ليست بأسطورة بل واقع. فكل صفوف الفلسفة و العلم و الفن الرفيع و الرياضة و السياسة اخترعها الرجال. و لكن بحكم القانون البروميثي Promethean للصراع و الثقافة فإن للمرأة الحق في الإستيلاء علي ما تريدهو المنافسة مع الرجل وفق شروطه الخاصة. لكن ثمة حدوداً لما تستطيع أن تغيره في نفسها و في علاقتها بالرجل. و علي الرغم من أن كل إنسان يجب عليه أن يصارع الطبيعة فإن عبء الطبيعة يقع بثقل أكبر علي جنس واحد. و لحسن الحظ لن يحد هذا من إنجاز المرأة أي من فعلها في المساحة الاجتماعية التي خلقها الرجل. و لكنه حتماً يحد من الإيروتيكية أي من حياتنا الخيالية في المساحة الجنسية التي قد تتقاطع مع المساحة الاجتماعية و لكنها لا تتوحد معه. إن دورات الطبيعة هي دورات المرأة. فالأنثوية البيولوجية تنتج من نوبات العودة الدائرية, تبدأ و تنتهي من و إلي النقطة نفسها حيث مركزية المرأة تمنحها استقراراً في الهوية. فهي ليست مضطرة لأن تصبح و حسبها أن تكون. و مركزية المرأة تمثل عقبة كؤوداً أمام الرجل, إنها تعوق بحثه عن الهوية. حيث يجب عليه أن يحول نفسه إلي كائن مستقل أي كائناً متحرراً من المرأة و إن لم يفعل فإنه ببساطة سيرتد إليها, داخلها. فعودة الإلتئام أو التلاقي مع الأم ناقوس خطر يسيطر صداه علي خيالنا. فذات يوم كان هناك نعيم أما الآن هناك كفاح. "

 

فتلك المرأة الأم تشعل الحرب فيما بعد حين تربي ابنها علي كراهية النساء و حين تسخر نفسها ثم اخوته البنات لخدمته و تغرز بداخله الحاجة الي الاستغلال الدائم للنساء من أجل البقاء فيكبر ليبحث عن بديل تلك الأم أو الخادمة الضارة تلك الأم التي تبتز ولدها من أجل منحه بعض الحنان فتتوقف عن الاهتمام به و تتركه للاخوات و تلقي عليهم أحمالً لا تخصهم و حين لا يكون لديه اخوات تستبدله بالزوج و تلقي عليه مسئوليات لا تخصه هو أيضاً لتشبع رغبتيها في الراحة و التحكم. حين يصبح هذا الطفل في منتصف الأربعينات سيدرك أنه يعيش حالة شديدة من الحرمان فقد عاش طوال حياته في نعيم العطايا المجانية أو جحيم الواجبات الإلزامية ففقد إدراكه لقيمة الأشياء و فقد القدرة علي التواصل لأنه تعود علي السمع و الطاعة و نمت بداخله رغبة في أن يسمع و يطاع لانه اما تم حبسه بشكل انفرادي داخل نرجسيته التي ما هي الا انعكاس لدور القمر التي لعبته أمه أو تم حبسه في دور الشمس التي لا تليق به فأحرقه لهيبها.

 

نحن السيدات ندفع ثمناً باهظاً دائماً لكل شئ و كل ما نجنيه في حياتنا ندرك قيمته الحقيقية و ندرك أن الخسارة نوع من أنواع التنازل و ضرورة لاستمرار حياتنا. إفساد الرجل و إغراقه في أحاديته يجعل منه إنساناً غير واقعياً يظن أنه يستطيع ان يحصل علي كل شئ بلا ثمن و إن لم يحدث ذلك يصاب بنوبات غضب حادة تماماً كالأطفال. لا يدرك الرجل أزمته إلا في وقت متأخر للغاية. و حبسه في دور أكبر منه يهين رجولته و يفسد الدور.

 

يربي الرجل علي الخشونة الدائمة: لا تبكي انت رجل .. لا تضعف انت رجل .. لا يصح ان يكون لديك مال قليل .. لا يصح ان يتم لمسك او احتضانك ... انت لا يجب ان تُحتوي او تُقبَل او ان تحزن فأنت رجل كل ما يعجبك أمتلكه فأنت رجل لا تشعر لا تكون انساناً كن آلة.

 

ينضج الرجل في فزع كائن محبوس في ظلام الخشونة و الخوف يعيش في شك و قلق دائم من أن يتم سلب رجولته و لكنه لا يدرك أنها قد سلبت من مثله الأعلي من قبل.

 

أنظر إلي الرجال الآن و أشعر بالحزن لا يعلمون كيف يتعاملون مع مشاعرهم و احتياجاتهم يرتمون في أحضان نساء تشبهن أمهاتهن و لا يرتوون أبداً.

 

ظلمتنا الذكورية كثيراً و لكن النساء الاتي اتحدت مع تلك الثقافة هن المسؤلات عن ذلك الخراب الذي نتج عنها. لم تحمي الذكورية سوا رجال الدين و السياسة و لكنها ألقت بنا جميعاً أمام حافلة الكراهية و زرعت بداخلنا التوق إلي الحرب الدائمة.

 

نتج عن ذلك نزاعات في العلاقات يتحارب الطرفين دائماً ليصبحوا شخصاً واحداً باهتماماتهم و هوياتهم و حتي في أذواقهم في الملابس و الطعام و كأن كل منهما يسعي لإلغاء فردية الآخر ثم يذهبون إلي الجنس الذي هو التجربة الروحانية الأسمي علي الإطلاق و يحولونه الي حرب أخري ليصبحوا شخصان في حين أنها الحالة الوحيدة التي ينصهر الشخصان فيها و يلتحمان و يجوز إلغاء الفردية حتي يصبحون واحداً.

 

هم يريدون أشياء في غير محلها يريدون الانفصال حين يكون هناك ضرورة للالتحام و يريدون الالتحام حين تكون الفردية هي الحقيقة المطلقة.

 

تلك الحرب التي لا تنتهي بدأوها الرجال بسذاجة و دعمتها النساء عن جهل و أصبحت المرأة المتحررة الآن تخوض حربان حرب مع الرجل المستضعف و أخري مع المرأة الغبية الجاهلة.

 

و لكننا أعدائها واضحين و لدينا القدرة علي مواجهتم أما الرجل فعدوه بداخله و لأن الثقافة سلبت قدرته علي المواجهة أصبح يحارب طواحين الهواء كالمصارع الضرير يهلوس و يسمع أصواتاً في ظلامه الداخلي و لكنه لا يستطيع ان يتعرف علي أعدائه.

 

أظن أن المرأة إن كانت بالقوة الكافية و الرؤية الثاقبة هي الوحيدة القادرة علي علاج الرجال و لكنه اختيارا صعبا للغاية لان العلاج أيضاً حرب من نوع آخر حرب استنزاف قد تقضي علي المرأة.

 

أظن أن الرجال منجم غني و أننا قد نكون ننقب عن الذهب وسط الحجر القبيح و أظن أيضاً أن حبسة الرجال بداخل أنفسهم تكفيهم و انها من القسوة أن نطردهم من رحابنا و بذلك نمكن أعدائنا من النساء من السيطرة النهائية عليهم أتمني ألا نعتبرهم مجرد قطع من الحجر و أن يهبنا الله قدرمن الجلد و التحمل حتي نخرج الذهب الذي في باطنهم و أن نحارب قدر ما استطعنا لوقف عملية تشويه الأطفال التي تؤدي إلي تراكم ذلك الحجر ليخفي فطرتهم اللامعة.

 

 

 

خرافة الجمال

 

الحياة ليست جميلة ولا أحد فيها مدين بالجمال للآخر. ينعمن النساء بمميزات عديدة فور إثبات جمالهن وفق المقاييس التي يحددها اتحاد خفي بين الرجال و بقية نساء المجتمع. و يغفل الجميع عنصر الروح كعنصر محدد لديناميكية العلاقة بين الجنسين. الجنس فعل مرتبط بالجمال لطالما كان هذا هو العنصر المحدد لميلاد أي نوع من العلاقات خاصة في مجتمعات شرقية تفتقر إلي الفردانية و الاستقلال. لا يريد أحد الاعتراف بخرافة الجمال أو بعدم أهميته في تقييم المرأة و دورها في المجتمع. يترجم الجمال إلي الرغبة و من ثم الجنس الذي في حقيقته امتلاك و عنف و انتصار ما علي كائن آخر يبدو شهياً كقطعة من الحلوي. لا يري الرجل في أي لحظة أنه هناك مدخل للروح كالوله و الإحتكاك الوجداني في ممارسة الحب فيتشدق المثقفون بأن الحب شعور محافظ و الجنس فعل تقدمي و لكن أين التقدم؟ مجموعة من الرجال الهواة يلتهمون كل ما لمعت عيناهم عند مرآه. الركوع أمام الجمال حرفة الهواة. ماذا يحدث للمرأة الغير جميلة إذاً؟ يظهر حينها النسر ... الذي يتغذى بصفة دائمة أو مؤقتة على الكائنات الميتة والتي بدأت تتحلل و هو حال المرأة المضطهدة لكونها غير مطابقة للمواصفات و تبدأ هنا رحلة الإستغلال فتلك المرأة تبدو من بعيد و كأنها حية و لكنها ميتة تبدو و كأنها راضية و لكنها غير ممتنعة سلبها فقر الاهتمام القدرة علي المقاومة و أصبحت تقبل بأي شئ و كل شئ.

 

صدف أنني قرأت جزء من مذكرات الكاتبة الأمريكية أناييز نين و ورد فيها أنها في مرحلة ما في حياتها كانت تكتب رسائل خيالية مثيرة و شهوانية خاصة لقارئ مجهول كان يدفع لها دولاراً للصفحة الواحدة و قد قامت بتسميته بالهاوي. و في رسائلها تلك كانت تعبرعن إحباطها من جملته المتكررة في رسائله التي تنتقد كتاباتها قائلاً "إتركي الشعر و إهتمي بالجنس بدلاً منه". و كان ذلك نص رسالتها له::

 

عزيزي الهاوي,

 

"أكرهك. يفقد الجنس كل قوته و سحره حين يصبح جلي و ميكانيكي و مفتعل حين يصبح هوس آلي. يصبح عمل ممل. لقد تعلمت منك أكثر من أي شخص آخر خطيئة ألا يتم خلط الجنس بالشعور بالجوع بالرغبة بالشهوة بالأهواء و بالنزوات و بالأربطة الشخصية و بالعلاقات الأعمق التي تغير لونها و مذاقها و إيقاعاتها و كثافاتها.

 

أنت لا تعلم ما تخسره بفحصك المجهري للنشاط الجنسي عن طريق إقصائك للآخرين و هم الوقود الذي يشعله. التلاقي الفكري و الخيالي و الرومانسي و الشعوري هو ما يعطي الجنس ملمسه المبهر و تحولاته الرقيقة و عناصره المثيرة للشهوة. أنت تقلص عالم أحاسيسك تساعده أن يذبل و أن يجوع تستنزف دمه و تشاهد لهيبه الصغير يموت من الإختناق. مصدر القوة الجنسية هو الفضول و الشغف. الجنس لا يزدهر بالرتابة يجب خلطه بالدموع و الضحك و الكلمات و الوعود و المشاهد و الغيرة و الحقد و كل توابل الخوف و السفر الأجنبي و الوجوه الجديدة و الروايات و الأحلام و الخيالات و الموسيقي و الرقص و الأفيون و النبيذ.

 

أنت تخسر الكثير بمنظورك المتطرف للجنس علي حافته حيث لا يتشابه ملمس جلدين ولا ضوئين ولا حرارتين و لا خيالين ولا إيمائتين. إن المحب إذا أثاره حب حقيقي يمكنه أن يسطر قروناً من معرفة المحبة حيث لا يمكنك أن تتخيل المدي أو التغيرات العمرية و التنوع بين النضج و البراءة و بين العناد و الفن و بين الحيوانات الطبيعية و حيوانات الفضيلة.

 

هناك العديد من الحواس الطفيفة التي تعمل كروافد في تيار الجنس الرئيسي تغذيه. وحده الإتحاد النبضي بين الجنس و القلب هو ما يخلق النشوة."

 

"إتركي الشعر و إهتمي بالجنس بدلاً منه" – اتركي عقلك و كوني جميلة لا تفكري و لا تشعري و لا تهتمي سوي بمظهرك بما يثيرنا بما يأسرنا. و دون أن يشعر معشر الرجال أعطوا المرأة سلاحاً خفياً أصبحت المرأة الجميلة سلطة لا وصف شكلي فالمرأة الجميلة قد تسيطر علي كيان الرجل الذي تمت استثارته بنجاح و الآن هي علاقة احتقار متبادل. كان الحب قناع الرغبة و الإثارة و كان الجمال قناع الوصولية و التكاثر. قال الرجل اتركي الشعر فتركته المرأة فماذا حدث؟

 

التعليقات