رباب كمال تكتب: المرأة بين إسلام الجماعة وإسلام السلطة

"السؤال الحقيقي هو كيف كبدنا النساء الكثير حين حولنا الحجاب إلى رمز واستخدمنا المرأة كرهن  في معارك سياسية."

“The real question is how much suffering we've caused our womenfolk by turning headscarves into symbols - and using women as pawns in a political game.”

هذه العبارة وردت على لسان الروائي التركي "أورهان باموك" في روايته (الجليد) الصادرة لعام 2002 والتي ترجمت لعدة لغات أجنبية وبالطبع منها الإنجليزية.

وبالرغم أن أورهان باموك استخدم لفظ Pawn أي رهن إلا أنني أميل أحيانا إلى الترجمة بتصرف، لتكن الترجمة "استخدما المرأة كمخلب في المعارك السياسية".

لربما كان يتحدث أورهان باموك هنا عن الإسلام السياسي الذي كان في طريقه للصعود في تركيا بقوة، إلا أن الجزء الثاني من العبارة ُيمكن أن نفكر فيه بشكل أكثر جذرية.

حين يقول باموك "استخدمنا المرأة كمخلب (كرهن)  في معارك سياسية" يفتح لنا آفاقًا أوسع للتفكر في هذه العبارة.

حين كنت بصدد كتابة تجربتي في الاستقطاب على يد الأخوات قبل 15 عاما، تساءلت للحظة هل الإسلام السياسي فقط هو من يستخدم المرأة كمخلب في المعارك السياسية، ألا تفعل الأنظمة نفس الشيء، ألا تقدم الأنظمة نفسها على أنها تحمي المرأة من الإسلام السياسي بالرغم أن تشريعاتها كلها مستمدة من التأويلات الفقهية الشرعية، فهل الاختلافات بين السلطة والجماعة تنظيمية أم فكرية؟

  لماذا لا يمكننا إصدار قانون للعنف الجنسي والأسري؟ لماذا لا يمكننا إلغاء نظام الولاية في الزواج؟ لماذا لا يمكننا إصدار تشريع واضح لقضايا النسب بدلا من الالتفاف الدائم على القضية؟ لماذا لا يمكننا إلغاء قوانين الطاعة والنشوز؟

لماذا لا يمكننا المساواة بين المرأة والرجل في حق الطلاق بدلا من الخلع.. أليس لأن نواب  الدولة وشيوخها يصيحون بأعلى صوتهم في مجلس نواب الدولة ليقولوا "إن حقوق المرأة تتعدي على الأديان".

هناك لحظات بعينها لا يمكننا أن ندرك خيط السلطة من خيط الجماعة وإن عدنا لتحفظات الدولة المصرية عام 1981 سنجد أن مصر تحفظت على إقرار المساواة إن كانت تتعارض مع الشريعة الإسلامية، أي أن مصر أقرت صراحة اللامساواة بين الرجل والمرأة حسب الشريعة، وجعلت الشريعة سابقة للمواطنة، والغريب أن سلطات مصر المتعاقبة تنتقد جماعات الإسلام السياسي على خلفية أنهم يضعون العقيدة في مقام الأولوية على الوطن.

بكل تأكيد ونكرر بكل تأكيد.. أننا ندرك تمامًا المأساة الكاملة للنساء إن استمر الإخوان والسلفيون في الحكم في سدة المشهد السياسي والعقلانية كانت تحتم علينا التصدي لهذا المشهد، بالرغم أن السلفيون لم يرحلوا فعليا بل هم في كواليس مشهد مبهم حاليًا.

لكن في ذات الوقت كان لا يمكن أن أكتب (نساء في عرين الأصولية الإسلامية) دون أن أتطرق للمزايدات على قضية المرأة ما بين الإسلام السياسي والأنظمة الحاكمة.

كانت عبارة أورهان باموك التي لا تتعدى خمس كلمات هي السبب في تخصيص  باب  بأكمله "عن أسلمة حقوق المرأة" في التشريعات الحكومية المدنية في كتابي المتواضع الصادر لعام 2018.

أما بعد، قابلت أورهان باموك في 2007 في معرض كتاب القاهرة قبل أن أقرأ روايته بسنوات، وكنت موفدة من الإذاعة المصرية لتغطية المهرجان، جلست في القاعة لمدة 15 دقائق فقط، انتزعت فيها تصريح شخصي منه على اعتبار أنه حصل على جائزة نوبل للأدب وفررت هاربة، خرجت لحضور مؤتمر آخر جلست فيه بالساعات لاستمع لكاتب هو اليوم من مؤسسي "علم التبرير" في مداهنته للسلطة ولكن حينها كنت أراه كاتبا مغوارًا.

كل ما أريده اليوم هو "آلة الزمن" لأعود بها لعام 2007 وأذهب للقاعة التي كان فيها أورهان باموك، لأوبخ نفسي أولا،  ثم لأتوجه إلى باموك  لأشكره على تلك الجملة الموجزة التي كانت بمثابة إلهام تمحور حولها كتاب بأكمله.

التعليقات