أشرف الصباغ يكتب: حكاية الشباب والرجل الذي لا يشيخ

 

هذا المقال نشر في جريدة "التحرير" في 9 أو 10 مايو 2012، وهو الآن محذوف مثل الكثير من المواد والمقالات التي نشرت في تلك الفترة..

ثورتنا مليئة بالتناقضات، وإلا لما كانت ثورة. ولأن التناقضات مصرية خالصة وبذهن مصري وطريقة تفكير مصرية، إذن فنحن نعرف هذه التناقضات جيدا. لقد أنجزت الثورة مهمتان أساسيتان: الأولى كسر حاجز الخوف والعبودية. والثانية، إسقاط الهيبة الفارغة عن الجميع بلا استثناء، وعلى رأسهم من كانوا يسمون أنفسهم لوقت قريب "أولي الأمر"، سواء أولئك الذين كانوا وما زالوا يستندون إلى الدين والشعوذة والكذب، أو الذين يستندون إلى العنف والاستبداد والقوة. بل وأسقطت أيضا القداسة الكاذبة لأي رئيس أو مسؤول سيأتي لاحقا. ولكن ما يجعلني أبتسم، هو أن الجميع منذ بداية الثورة كانوا يتحدثون عن الشباب كقوة خارقة يجب أن تدير البلاد، لأنها هي التي حرضت وقادت الثورة وضحت بدمائها. وسادت طوال أكثر من عام كامل نغمة "الشباب" وأهلية الشباب وخبرة الشباب وقدرتهم على الإدارة والقيادة. وقام الجميع برفع راية الشباب، حتى كبار السن من الساسة والمثقفين على خلفية شعار "تسقط دولة العواجيز". ولكن بمجرد أن بدأ بازار الترشيحات الرئاسية، حتى انكشفت العورة وظهر العوار جليا وواضحا في الأفكار والتصورات والسلوك لا بالنسبة للعواجيز وكبار السن فقط، بل وأيضا في أوساط الشباب نفسها. والمسألة هنا في المبدأ وليس في التفاصيل. فكل من المرشحين بدأ في سرد سيرته السياسية والنضالية في مرحلة الشباب، وبالتالي يرغب في الحصول على المقابل بأثر رجعي، مؤكدا أنه الأصلح والأكثر خبرة وحصافة وقدرة على إدارة البلاد، بينما الشاب الوحيد ضمن المرشحين للرئاسة يواجه مؤامرة العزل والتجاهل والاستهتار! وإذا كانت المؤامرة من جانب العواجيز وكبار السن، فهذا مفهوم وإن أقسموا بالطلاق على أنهم يشجعون الشباب ويحبونهم ويحترمونهم. ولكن الكارثة الحقيقية تكمن في أجيال الشباب المختلفة التي انساقت وما زالت تنساق خلف أفكار العواجيز وتصوراتهم الجامدة وانتهازيتهم الواضحة تحت شعارات مثيرة وبكلمات منمقة عن الشباب والمستقبل والخير والتحديث والنهضة. بينما المثال الحي يكشف عن الكذب والانتهازية والركض وراء السلطة.
في عام 1980 تعرفت برجل كان يكبرني وقتها بحوالي 20 - 25 عاما. كان سمير عبد اللطيف أو السيد رفعت من أولئك البشر الآسرين الذين يحيطونك بالرعاية ويأسرونك بالبساطة والأدب الجم ودماثة الخلق، والوعي الحاد واليقظة الدائمة. والمسألة هنا ليس لها علاقة إطلاقا بالمفاهيم الأخلاقية بقدر ارتباطها بالمفاهيم والمثل الفلسفية الخالصة.
بعد أشهر قليلة، اكتشفت أن لديه مكتبة ضخمة، وأنه يجيد الفرنسية ويدرسها لبنات وأبناء القرية بالمجان. خلال عام واحد وضع الرجل يدي على بدايات "المثقف العضوي" والنظرة النقدية للعالم، وتركني مع الكتب والدراسة والحياة. لكنه كان يشاركني أنا وغيري من الشباب اليافعين المناقشات والقراءات وإعادة القراءات.
كل ذلك كان يجري بشكل تلقائي وبدون حسابات أو مواعيد.. فطبق العسل الأسود والفول والطعمية والخبز لهم حضور دائم على المائدة، وإبريق الشاي دائم السخونة. كان بيته القروي الكبير مفتوحا دائما وللجميع، بينما هو في حركة دائبة لا تعرف الكلل أو الملل. وقلما أذكر أنني رأيته نائما. في هذه الفترة كانت جدته ووالدته على قيد الحياة معنا في نفس البيت الكبير. وكان ولداه بيننا أيضا على الرغم من صغر سنهما. طوال أكثر من 30 عاما وسمير عبد اللطيف بين الشباب.
تغيرت الأحوال. راح من راح وكبر من كبر وسافر من سافر وهاجر من هاجر، وبقي هو مع أشجاره ووروده التي زرعها خلف البيت الكبير وطيوره التي يعتني بها دائما. ذهب الناس وبقيت الطيور والأشجار والورود، وهو كما هو يقرأ ويتابع وبريق عينيه كما كان منذ 35 عاما. بعد هذه السنوات اكتشفت أنه كان قِبْلة جيل كامل من الشباب آنذاك الذين تتراوح أعمارهم الآن بين الأربعين والخامسة والخمسين أو الستين، بينهم العامل والكاتب والمسرحي والصحفي والسينمائي والفنان التشكيلي والسياسي والشاعر والممثل والمغني. فسمير عبد اللطيف كان وما زال مثقفا نقديا شاملا ونشيطا. وقبل كل ذلك، إنسان صلب وقوي وفي غاية الأدب والأخلاق والطيبة، وحاد وشرس إذا اختل الميزان واقترب الاعوجاج من القيمة الأساسية للحياة. وتذهب به الشراسة والحدة إلى أبعد مدى إذا ما كان الإنسان، أي إنسان معرضا لأي خطر.
منذ عدة أيام نشر الشاعر زين العابدين فؤاد صورا لفاعليات واحتفالات ثقافية للشباب. فوجئت بسمير عبد اللطيف يجلس بينهم ومثلهم بالضبط يستمع ويتفاعل. كان لون الشعر فقط هو الفارق الوحيد بينه وبين الشباب الصغار اليافعين الجالسين حوله في قاعة ما ضخمة. بحثت في كل الصور، ورأيته هو كما هو منذ أكثر من 35 عاما بنفس بريق العينين والنشاط والحيوية والصلابة ونظرة الأمل الخلاقة المبهرة. خيل لي أنني أسمع أنفاسه بالضبط مثلما كنت أسمعها ونحن صغار في بيته الكبير وهو يغطينا عندما ننام. تخيلته أيضا يبتسم بدون أي دهشة أو تعجب ونحن نناقش مرشحي الرئاسة كبار السن ودولة العواجيز التي تأبى الزوال، وسمعته أيضا وهو يهز رأسه في هدوء ويقول: "حاجة مقرفة". وهذا يعتبر أكبر وأشنع سباب يمكنه أن يطلقه سمير عبد اللطيف على موقف هزلي وانتهازي بهذا الشكل، وعلى وضع لا يملك الإنسان أمامه إلا أن يستخدم أبشع ما في قواميس السباب والأمثال الشعبية المصرية من تعبيرات..

ما يمكن أن أكتبه الآن، في 28 يناير 2018..
لم يكن لدى سمير عبد اللطيف ذات متضخمة، أو إحساس بالبطولة أو الاستثنائية. لم يكن لديه أي تصور بأنه يؤدي دورا أو خدمة جليلة للوطن والإنسانية. كان، ولا يزال، يعيش كما يفكر ويعتقد من دون أي أوهام حول البطولة أو الاستثنائية أو تضخم الذات، أو الحق في الحصول على مكاسب بأثر رجعي. لم يكن يشبه أحدا من أولئك الذين بؤلفون الكتب أو يقودون الأحزاب والتنظيمات والمنظمات والهيئات أو أولئك الذين يلفون ويدورون ليقنعوا الآخرين بأدوارهم المحورية في الأحداث والمراحل الانتقالية ويحكون عن أنفسهم كثيرا لدرجة تعطيك انطباعا بأنهم مركز الكون ومحور كل الأحداث..
كان بسيطا وهادئا، ومتصالحا مع نفسه ومع الآخرين بقدر وعيه الإنساني الرفيع الذي أهَّلَه للحديث بصدق ومعرفة وحِرَفِيَّة ليجتذب السامعين ويزرع فيهم فيضا من الجمال. كان يجيد الاستماع والعثور على الأسباب المنطقية والعلمية للظواهر والسلوكيات والتصرفات. لم يكن يفكر في بطولات وهمية، أو الاستيلاء على أدوار أو أفكار الآخرين، أو تصوير نفسه بطلا ومضحيا وقدوة ومعلما وأستاذا..
لم يكن بخيلا معرفيا، ولم يكن أنانيا. كان ببساطة يفهم الفلسفة المادية بجوهرها العلمي – الإنساني – الحياتي، وبتجلياتها الاجتماعية. وربما كان هذا الفهم تحديدا هو الذي جعل منه بطلا شعبيا حقيقيا، كأي مواطن مصري التصق بالأرض والمعرفة وإدراك ذاته الحقيقية من دون جشع للشهرة أو احتياج لدور البطل أو أنانية مفرطة أو بخل معرفي.. كان، ولا يزال، بسيطا ومتيقظا وذكيا وإنسانا، وكتلة من الطاقة والأمل..


 

التعليقات