رباب كمال تكتب: اقتلوا المرض لا المريض

 

 

أصبت بنوبات سعال مزمنة عام 2007 استمرت عدة ساعات يوميًا،وصلت في بعض الأيام لثلاث ساعات متواصلة وكانت عائقًا كبيرًا أمام ميكرفون الإذاعة .. كانت حالة جعلتني أعمل بشكل مخفف بل و أفكر في إجازة رسمية من عملي وكان هذا أمر مؤلم.

استمر مرضي حوالي عام، ذهبت في تلك الفترة لأكبر الأطباء دون جدوى، ارتدت عيادات جهابذة عالم الطب من هؤلاء القوم الذين دومًا ما يطلون علينا من شاشات التليفزيون، فكتبوا ووصفوا أغلى و أثمن الأدوية لحساسية الصدر و كان ثمن الكشف لديهم خياليًا، إلا أن حالتي ساءت وتزايدت نوبات السعال بالرغم من ذلك.

في يوم من الأيام ..وبعدما قررت أن أكتب أجازة من العمل الاذاعي لأنه لا يصح أن أصاب بنوبات سعال على الهواء أثناء قراءة نشرة الأخبار ...جاءني اتصال من صديق ..عرفني على طبيب لم يكن اسمه لامعا كبقية الأطباء و لا يتقاضى أجورًا خيالية...  فذهبت إليه بلا أمل.  


مع أول صوت للسعال، وضع الطبيب  يده على رقبتي وتحسسها أثناء السعال،ثم نظر لي قائلا:  أرجح أن لديك قرحة أعلى المرئ والسعال سببه ارتجاع السائل الحمضي من المعدة أو ما نسميه Gerd  وليس بلغم على الصدر،  أخبرته أن المنظار لم يكشف عن قرحه، فقال لن نحتاج لمنظار، سنقوم بتصوير منطقة الحنجرة  من خلال ما يعرف بأشعة حنجرية Laryngeal photography  ، وبالفعل تم رصد قرحة ، وعاود الطبيب سؤالي عدة أسئلة و منها هل أجريت عملية جراحية في العام الماضي؟ وبالفعل كنت قد أجريت جراحة، فقال غالبًا الإصابة ناتجة عن إدخال التمريض لأنبوب العمليات في الفم بشكل خاطئ.

وحولني طبيب الأنف والأذن والحنجرة إلى  طبيب باطنة مع كتابة رأيه في الحالة، وبدأنا علاج القرحة.  

بعدما كان يتكلف علاجي ما يزيد عن ألفي جنيه  في الشهر عام ( 2007 )  تكلف علاجي 10 ج في الشهر وهو ثمن دواء لوقف الارتجاع لأن الارتجاع يزيد مشكلة القرحة، وصحب ذلك نظامًا غذائيًا متوازنًا واتضح أيضًا  أن أدوية حساسية الصدر والاستنشاق باهظة الثمن  كانت سببا في سوء حالة القرحة، أي أنني كنت أدفع ثمن علاج خطأ بل علاج زاد الحالة سوءًا وتدهورًا .

وبعدما بدأت أتماثل للشفاء وتوقف السعال.. أحالني الطبيب الذي شخص حالتي  لطبيب ثالث لعمل جلسات " تخاطب" من أجل علاج الضرر الذي أصاب الأحبال الصوتية،  وذلك  لمساعدتي على الكلام أثناء العمل الإذاعي بشكل طبيعي والتعامل مع نوبات السعال إن داهمتني،  وخضعت لـ 5 جلسات لم تكلفني أكثر من 100 ج حينها، وخضعت لها مرة واحدة  فقط دون حاجة إلى  التكرار بعد التحسن الملحوظ.

هذه ليست قصة شخصية .. إنها  قصة الإصلاح في مصر.

 
لدينا اعتقاد أن الإصلاح ( أي اصلاح كالإصلاح الإقتصادي مثلا) لابد أن يكون مكلفًا لدرجة الموت، لدرجة الإفقار، لدرجة الاستنزاف، لدرجة تجعلنا نكح ترابًا

والإصلاح يحتاج تشخيص ورؤية للتعامل وليس استسهال،  والأهم من ذلك  يحتاج مشورة لا انفراد حتى نتمكن من قتل المرض لا المريض.

 

التعليقات