رباب كمال تكتب: خذوهم بالعلم قبل أن يأخذوا الوطن بالجهل!

 

 

يبدو على وجهها علامات الزمان الذي رسم خارطته على وجنتيها وجبينها كما الفنان التشكيلي، همومها تنحصر في توفير الحد الأدنى من طعام يسند ظهرها  المحني، ورفاهيتها تتحقق حين تعرج على متاجر شعبية تبيع مستلزمات المنزل بجنيه أو اثنين.

هي وجه وسط الزحام لا يلاحظها أحد، عاملة نظافة بسيطة، لا أعرف اسمها، فهي ابنة ثقافة لا تعترف باسم الأم، إلا إذا كان مقترنًا باسم الابن، هي أم محمد، نسخة كربونية من أمهات كثيرات كلهن أم محمد، تقضي أم محمد نهارها في أروقة الإذاعة، راضية بما يمن به عليها أصحاب القلوب الرحيمة، فهي تتقاضى الفتات ولا ضرر من كسرات خبز بجانب الفتات .

ذات يوم، طلت علينا أم محمد في العمل وهي مكفهرة متذمرة، فكلما اشترت كوب زجاجي من المتجر انكسر أو انشرخ بعد صب الماء الساخن فيه، وخُيل إليها أنها بحاجة إلى من يفك السحر الذي يتسبب في كسر كل أكوابها الزجاجية، وجاءت لتسأل الزملاء عن شيخ يساعدها في فك العمل علمًا بأنها لا تملك ما تدفعه لهؤلاء الأولياء الذي يفكون الأسحار.

سؤال أم محمد ليس بغريب، فلا تخلو أي مجتمعات من شيخ من أولياء الله يفك الأعمال ويجهز الأحجبة ليُقرب كل ما هو بعيد، لقد غزى هؤلاء الشيوخ المجتمعات المخملية النخبوية، وأم محمد طامعة وطامحة في أن يوصى أهل النخبة عليها، ليحن قلب الشيخ عليها بحجاب يفك تعويذة الشر .

لم تكن حكاية أم محمد عويصة، فكان الأمر واضحًا كعين الشمس، هي امرأة مكافحة بسيطة، لا تملك أن تشتري أكوابًا زجاجية جيدة الصنع، فتلجأ لشراء الزجاج الرخيص، الذي ينكسر بسهولة بفعل الحرارة من الماء المغلي.

أخبرت أم محمد أنني قادرة على فك السحر، ولن تنكسر أكوابها من بعد اليوم. لكن عليها أن تنفذ ما أقوله بالحرف الواحد.

ارتسم على وجهها الفرح وقالت لي "اللهم صل على النبي" ووقفت أمامي وكلها آذان صاغية.

طلبتُ من أم محمد، أن تضع ملعقة معدنية في الكوب وحين تصب الماء المغلي، تحرص على أن ينصب على الملعقة الباردة وأن تصب الماء في الكوب على ثلاثة مرات بين المرة والمرة بضعة ثواني، تعد من 1 إلى 5 بين كل مرة تصب فيها قدرًا من الماء.

سألتني وما الآيات التي أقرأها؟ قلت لها اقرئي ما يحلو لك، لن يشكل هذا فارقًا، المهم تتبعي الخطوات التي أخبرتك عليها.

عادت أم محمد بعد عدة أيام من الأجازة الأسبوعية وحين رأتني هرولت باتجاهي وكأنها رأت شيخ من أهل الخطوة وقالت لي بلغتها الشعبية البسيطة :

 "وضع سره فيكِي، أومال زميلتك (فلانة) بتقول عليكي متعرفيش ربنا ليه، منها لله، يقعد لها في عافيتها يا رب."

لم أرغب في معرفة (فلانة)، فكم من فلان وفلانة بيننا، وقبل أن يتملكني الضحك الممزوج بالبكاء، أخذت أم محمد من يدها وأدخلتها استراحة العمل وهي استراحة صغيرة تقع بين استديو البرنامج الأوروبي واستديو البرنامج الموسيقي بمبنى الإذاعة، وهي تهم بدخول الاستراحة دخلت بقدمها اليمين وسألتني وعيونها زائغة "هل تم فك العمل؟"

أخبرتها لا يوجد عمل ولا يوجد سحر، الحرارة كانت تكسر الزجاح لأنه ليس جيد الصنع والملعقة المعدنية التي كانت تصب عليها الماء المغلي رويدا رويدا، امتصت السخونة عن الزجاج، وأخبرتها كذلك أن هذه الُخدعة لن تحقق المراد منها كل مرة، لكنها خدعة ستحافظ على أكبر قدر من أكوابها الزجاجية مما يقلل خسارتها خاصة أنها لا تتحمل سوى شراء الأكواب الزجاجية رخيصة الثمن.

نظرت إليّ أم محمد وقالت "سبحان الذي سخر لنا هذا و ما كنا له مقرنين."

ثم عادت وقالت وماذا عن الآيات القرآنية التي قرأتها وأنا أصب الماء؟ قلت لها اقرأي ما تشائين، هذا بينك وبين الله، اقرئي ما يطمئن قلبك في أي وقت تشائين، لكن تلاوتك لن تمنع الحرارة من شرخ الزجاج الضعيف لأنها لم تمنعها من قبل، الملعقة المعدن هي التي فعلت ذلك. رحلت عني أم محمد وهي تقول "سبحان الله ".

هذه ليست قصة حديثة، وربما تعود لعام 2015 على ما أتذكر.. وأم محمد تذكرها وترويها حتى يومنا هذا.

 العلم يحسن حياة الناس، وتنوير عقولهم لابد أن ينتقل من مرحلة التنظير إلى مرحلة الشعور بأن العلم والنور أهم من أحجبة السحر التي تحولت إلى حجاب العقول.

وهنا نسأل أنفسنا ما الذي يصنعه التعليم في وطن ضائع؟ في الحقيقة يصنع الكثير! لكن ليس أي تعليم، بل تعليم حقيقي حتى لا نرى محافظ المنيا السابق وهو يمسك بيضة مكتوب عليها – كما تراءى له - لفظ الجلالة، لينشرها عبر صفحة المحافظة رسميًا بالرغم أنه لم ينتبه لأزمة المستشفيات في محافظته كما اهتم بالبيضة المعجزة، لم يسأل سيادة المحافظ نفسه لماذا يترك الله آلام البشر ويتجلى على بيضة في مزرعة دواجن وسط صيحات الديوك؟!

العلم والتعليم هما السلاح الوحيد لفك سحر الجهل الذي خيم على عقولنا، العلم الحقيقي وليس العلم المزيف الذي جعل الشيوخ يتلاعبون بالعقول وهما يتحدثون عن الإعجاز العلمي للنصوص الدينية، العلم متغير والنصوص ثابتة، ومحاولات الربط تزييف للواقع الذي نعيشه، دائما نتحدث عن فصل الدين عن الدولة ولربما الأجدر أن نتحدث عن فصل الدين عن العلم، وهذا ليس امتهان للدين ولا حرب على الإسلام فالحرب الحقيقية هي الحرب على العقول، إنها مجرد محاولة إعادة ترتيب أوراق في بلد اختلطت فيه جميع الأوراق.

نحن في بلد يعاني من مشكلة نظافة تتسبب في الأمراض الكبدية الوبائية، فيقال فيها بكل أريحية أن جناح الذبابة فيه شفاء، بالرغم أن الذبابة ناقلة للأمراض، ومن يحاول تصحيح هذه المفاهيم يقال عنه مزدري للأديان بالرغم أننا نزدري العلم ونبصق عليه كل يوم ثم نتساءل في براءة "لماذا تخلفنا ولماذا تقدم الآخرون؟"

في خضم هذه التحديات، انبرى وزير التربية والتعليم المصري د. طارق شوقي مع الشيوخ ليعقد ندوة عما أسماه الإعجاز العلمي للقرآن، ليصنع لنا مزيدًا من الدروشة التي تضع مسافات بيننا وبين البحث العلمي الحقيقي المجرد.

من حضر الندوة يا ترى؟ حضر الندوة لواء سابق ورئيس حي حالي، ومديرة مراكز استكشافية للعلوم، ووكيل معهد مصر العالي للهندسة وكذلك حضر رئيس قسم الجيولوجيا بالمركز القومي للبحوث وأستاذ قسم الفيروسات بكلية الطب البيطري.

ولا أعلم لم تذكرت "أم محمد" وأنا أقرأ هذا الخبر... وتذكرت معها عبارة العالم الفيزيائي ستفين هوكنج  وهو يقول :إن أعظم عدو للمعرفة ليس الجهل، بل وهم المعرفة.

حتى نبتعد عن وهم المعرفة وخزعبلاتها، كان علي السيد وزير التعليم أن يعقد ندوات عن "التفكير العلمي" وبالتأكيد سيجد من يعاونه، ونرشح للسيد وزير التعليم كتاب التفكير العلمي للدكتور المصري  فؤاد زكريا (الصادر عام 1978) ليس فقط لعقد ندوات بشأنه ولكن ليدرسه لطلبة المرحلة الإعدادية على الأقل وذلك في سبيل القضاء على التفكير الخرافي.

 في كتابه التفكير العلمي، تناول د. فؤاد زكريا.. خصائص التفكير العلمي والعقبات أمام التفكير العلمي وكذلك المعالم الكبرى في تاريخ العلم والأبعاد الاجتماعية للعلم المعاصر وشخصية العالم.

توفي د. فؤاد زكريا ( 1927 -2010 ) قبل 8 سنوات في صمت مدوي، لدرجة أن البعض ممن سمع خبر وفاته، قال ألم يكن قد مات من قبل؟!

ترك لنا إرثًا مفيدًا وموروثًا لا يحتاج إلى التنقيح والتجديد بل يحتاج للقراءة المتأنية، ومن بين كنوزه  المعرفية ترك لنا كتاب الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة (1986) والصحوة الإسلامية في ميزان العقل (1987) وخطاب إلى العقل العربي (1978) وغيرها ..

خذوهم بالعلم قبل أن يأخذوا الوطن بالجهل!

التعليقات