رباب كمال تكتب: لا تسير في عقلي بقدميك !


أن تكون قوي ذهنيًا؛ حالة خاصة لا تترك فيها عقلك مرتعًا لأحد، أو كما قال الزعيم الهندي  مهاتما غاندي ( 1869-1948)   لن أدع  أحد يسير في عقلي بقدميه المتسخة
I will not let anyone walk through my mind with their dirty feet.”"
إن لم  تسمح لأحد أن يأخذ عقلك في نزهة خلوية  فأنت بكل تأكيد من الأقوياء ذهنيًا Mentally Strong     وهذا مصطلح ليس بجديد ولكن الجديد والذي يعكف عليه علماء النفس هو كيفية الحفاظ على القوة الذهنية أمام محاولات العبث اللا متناهية، العبث الذي قد يكون من سلطة دينية أو سياسية أو قوى العرف الاجتماعي، هو عبث ممنهج ، مهمته أن تشعر بأنك إن خالفت الجموع فإنك بالتأكيد قد فقدت عقلك.
العبث بالعقول موجود في كل الثقافات والحضارات على مر العصور، ولو أن هناك مصطلح حديث نسبيًا انتشر في أمريكا قبل أن يجد طريقه إلى العالم ألا وهو ) Gasligting   (  أي إشعال مصابيح الغاز.
المصطلح غريب بعض الشيء خاصة على مسامعنا في الشرق، ويتم تداوله بالإنجليزية  في بعض العيادات النفسية. المصطلح مستوحى من فيلم أمريكي بعنوان   Gaslight  ُأنتج عام  ( 1944 )   مأخوذ عن مسرحية  بنفس الاسم سبق وأن أنتجت عام 1938 للكاتب باتريك هاملتون   Patrick Hamilton ( 1904-1962 )
تدور الأحداث حول زوج قاتل  يريد إيهام زوجته بأنها مجنونة تتوهم ومضات غريبة من ضوء مصباح الغاز، الزوجة لم تكن مجنونة، فكان الوميض الذي تراه ناتجًا عن إشعال الزوج لضوء المصباح في الطابق العلوي فينسحب الغاز من مصابيح الطابق السفلي، فترى الزوجة الومضات وتشك في قواها العقلية.
ومن هنا  ُوصف العابثون بعقول غيرهم بأنهم مشعلوا مصابيح الغازGas-lighters   ووُصف العبث بالعقول بـ   Gas -lighting


الممثل الفرنسي  Charles Boyer  والممثلة السويدية Ingrid Bergman في لقطة من الفيلم الأمريكي  (مصباح الغاز)  Gaslight عام 1944

العبث بالعقول  Gas -lighting  هو نوع من الابتزاز لمشاعر الناس وحالتهم النفسية والعصبية  ، يحاول فيه العابث بأن يسيطر على ضحيته ليدمر سلامة قواها العقلية.
هناك بشر  يقومون بابتزازكم  عن طريق "اتهامكم بما فيهم"  حتى تنشغلون في الدفاع عن أنفسكم مما يعطيهم الوقت الكافي ليلوذون بالفرار ببمارساتهم من جهة و يدمرون ثقتكم بالنفس من جهة أخرى. 

إن كان لصًا ... يتهمك بسرقته ، فتنشغل بإثبات نظافة يدك. 
إن كان خائنًا ... يتهمك بالخيانة فتنشغل بإثبات إخلاصك. 
إن كان كاذبًا .. يتهمك بالكذب فتنشغل بإثبات صدقك.
وكل ما سبق يستنزف قواك العقلية والنفسية، ومن المهم أن تكون صحتك العقلية والنفسية قوية جدا لرصد هؤلاء ومن ثم مواجهتهم أو الرحيل عن دوائرهم، خاصة وأنهم يحاولون السيطرة عليكم وإيهامكم أن كل الناس تكرهكم عداهم، ويميلون إلى تدمير شخصيتكم وثقتكم بالنفس وسمعتكم لدى أصدقائكم ومعارفكم.
تقول هيلدا ليندرمان  Hilde Lindemann وهي أكاديمية أمريكية متخصصة في علم  الأخلاق الحيوية  Bioethics      أن قدرة الضحية في مقاومة العبث بعقلها يعتمد على مدى ثقتها في حكمها على الأشياء.
هنا تحضرني حالة زميلة إعلامية  شرع زوجها بأن يتزوج عليها، فأراد أن يقنعها بأن زواجه بأخرى أفضل من اتخاذه عشيقة وأن رفضها للحلال يوقعه في المعصية واستخدم الوازع الديني والنصوص الدينية التي تحلل له ذلك في محاولة لايهامها بأن رفضها للنص الديني يجعل منها كافرة بأحكام الله، وظلت تلك الزميلة في حالة شتات حتى أدركت أنها ليست ملزمة لا بقبول زوجة ثانية ولا عشيقة وأن ارتباط زوجها بأخرى خيانة أي كان شكل الارتباط .
العبث بالعقول قد يحدث على نطاق فردي وقد يحدث على نطاق مؤسسي تقوم به مؤسسات وأنظمة أمنية وإعلامية، وهناك مزحة مصرية أصيلة لخصت هذا الأمر ومفادها أن سائق الحافلة الذي ارتطم بالجدار استطاع أن يقنع الركاب أنهم غير مؤهلين للركوب! وفي هذه الحالة استطاع السائق السير بكل أريحية في عقل الركاب بقدميه .

 

التعليقات