رباب كمال تكتب: الخير والشر في عقولنا


قبل ما يقرب من ثلاثة أعوام، اتصلتُ لأعتذر ذات يوم عن الذهاب إلى العمل،  وذلك لأسباب قهرية. لم أفصح عن تلك الأسباب القهرية أو الظروف الطارئة حينها، لربما كنت أخشى ألا يأخذني الزملاء على محمل الجد.
الظروف القهرية التي كنت أعاني منها هي محاولتي لإنقاذ قط شارع لا تربطني به علاقة لا من قريب ولا من بعيد،  سوى أنه كان ينتظرني أمام باب المنزل بين الحين والآخر، لا ليأكل ولكن أحيانًا ليجد يد تحنو عليه.
تعرض هذا القط إلى ضرب مبرح على يد استاذ جامعي ميسور الحال ، مما أفقد القط البصر وأصابه بالشلل في نصفه الأسفل، وحارس العقار هو من أنقذ القط قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، ثم طرق بابي ليخبرني بأن القط الذي ينتظرني أمام المنزل تعرض للضرب ويحتضر. 
هرعت بالقط يومها إلى عيادة د. معتز شعبان وهو طبيب بيطري معروف عنه التعامل مع الحالات الحرجة،  وعاد القط  من الغيبوبة إلى الحياة واستعاد البصر والقدرة على السير بعد مشوار علاج استمر ثلاثة شهور،  لكن الإصابة تركته بمشكلة في الأعصاب، وبالتالي فإن عودته إلى الشارع باتت مستحيلة، وعاد معي القط إلى المنزل، وفي مارس 2018 يُكمل عامه الثالث تحت سقف منزلي. ولم أغير اسمه الذي اعتاد عليه في الشارع ، فكان القط اجتماعي جدًا، واعتاد حراس العقارات المجاوره على وجوده بينهم،  فأسموه  "عبد العظيم"، وحارس العقار الذي أنقذه كان دومًا يطرق باب منزلي ليطمئن عليه في فترة العلاج قائلا باللغة العامية  (ده غلبان زينا).
"عبد العظيم" ليس وحيدًا، فهناك حالات غيره في منزلي، جميعهم تعرضوا للضرب أو الاعتداء البشري.
السؤال الذي يظل يراودني هو: ما الذي يجعل إنسان يشعر بمسؤولية إنقاذ مخلوقات لم يعتدي عليها ولا يحمل ذنبها؟ ما هذه الحاجة الـُملحة التي تخرجنا عن شعورنا وعن مسارنا اليومي؟
الإجابات النمطية عادة تصب في إطار التمتع بالإنسانية المفرطة وحقيقة الأمر أن هذه الإجابات غير شافية، فما الذي يجعل أحد الأشخاص إنساني أو غير إنساني؟  ما الذي يجعل الإنسانية متفاوتة أو مفرطة من شخص لآخر؟
بعض من ُنسميهم (إنسانيون مفرطون)  يخرجون عن مسارهم لمساعدة إنسان أو حيوان لا يعرفونه، هذه الأسئلة راودتني كثيرًا كلما قابلت شابًا بعينه في عيادة الطبيب البيطري، يصر  على التكفل بمصاريف ثلاثة كلاب تعرضت للضرب في الشارع بالرغم من مروره بضائقة مالية، ويقول أن ضميره  سيؤنبه إن تخلى عنهم. 
  بعض الإجابات الأخرى تصب في إطار الشعور بالرفاهية، وهذه إجابة غير شافية كذلك بدليل واقعة القط التي سردتها، فالقط ضربه شخص ميسور الحال  ودافع عنه حارس عقار من الطبقة الكادحة.
بحثًا عن الإجابات، توجهت لزيارة الدكتورة شيري عياد وهي طبيبة نفسية كنت أتعامل معها قبل أعوام، حين مررت بتجربة عصيبة بعد وفاة رفيق أيامي ومشوار عمري (محمود) والذي لم يمهلنا القدر كثيرًا،  فانتزعه في ريعان شبابه. تحولت الدكتورة شيرين من طبيبتي  إلى صديقتي على مر السنوات، بعدما ساعدتني على استجماع قواي، وأحرص دومًا على  لقائها  كلما جاءت في زيارة لمصر بعد هجرتها لاستراليا مع عائلتها.
وفي منزل أسرتها الدافيء في حي شبرا جلسنا نتحدث، وأفصحت لها عما يدور في خلدي، وتطرقنا إلى أشكال عديدة من الشعور بالذنب لدى بعض الناس، وصل في ذات مرة إلى شعور امرأة ناضجة بالذنب لأنها أحبت رجلًا متزوجا  بالرغم أنها لم تفصح له عن مشاعرها، وإنما تولدت عقدة الذنب من تفكيرها المستمر في أسرته وزوجته والتي لم تقترب منهما بالإيذاء. كما شعرت تلك المرأة بعقدة الذنب تجاه الرجل نفسه لأنها اعتبرت (مجرد) مشاعرها تجاهه خيانة للزمالة وللصداقة وشعرت بالخوف من أن يلاحظ مشاعرها، ولهذا كانت تدرب نفسها على تمالك الذات في وجوده. ولربما أن هذه واحدة من أعتى الحالات في عقدة الذنب التي واجهتها  د. شيري عياد  حسب قولها.
دكتورة شيري رفضت أن تطلق على الحالات السابقة (المرض النفسي)، وإنما فسرت حالات التعاطف والمسؤولية والذنب تجاه الآخر بـ (التقمص الوجداني).
التقمص الوجداني في علم النفس؛ حالة نتعاطف فيها مع الآخرين أو نشعر بالذنب حيالهم، فهذا سببه أننا نتقمص حياتهم وأدوارهم، وباللغة الشعبية نضع أنفسنا في موضعهم، فنشعر بأحاسيسهم ونتصرف بناء على ذلك، إما نتصرف من نبع المسؤولية في إنقاذهم  أو نتصرف بالخجل من نبع ذنب لم نقترفه حيالهم. 
فتحت د. شيري عياد لي آفاقًا هائلة في البحث، وتركت لي طرف الخيط  لأبدء المزيد من  البحث والتنقيب ومع طرف الخيط تركت لي نسخة من مجلة National Geographic ، التي تطرقت لما ُيعرف باسم (التقمص الوجداني) الذي كانت تتحدث عنه؛ وللتقمص الوجداني اسم  آخر وهو (التشاعر)  أي تفهم مشاعر الآخرين والإحساس بالآخر، و الاسم الشائع بالانجليزية لهذه الحالة هي Empathy  أي العطف.
حسب ما جاء في مجلة ناشيونال جيوجرافيك أن العلماء شرعوا في إخضاع بعض المتطوعين إلى تصوير مقطعي على المخ ومن خلاله تم رصد ما أسموه دوائر التقمص الوجداني Empathy Circuits ، وهي أشبه بالدوائر الكهربائية في أدمغتنا وكانت نتائجها كالآتي:
- سجلت القشرة الحسية للدماغ نشاطًا ملحوظًا لدى الأشخاص الذين يتفاعلون مع آلام الآخرين.
- سجل الفص الجداري السفلي نشاطًا ملحوظًا لدى الأشخاص الذين يتقمصون عواطف الآخرين
- سجل الجزء الصدغي الجداري  نشاطا ملحوظًا لدى الأشخاص الذين يتخيلون مشاعر وأفكار الآخرين.
هذه الأنشطة الدماغية هي المسؤولة عن تحركنا لانقاذ ونجدة الآخرين (إنسان أو حيوان) أو مجرد شعورنا بالتعاطف معهم في حالات أخف وطاة.
لهذا قد نسمع عن امرأة ريفية وأم لطفلين قامت بانقاذ رجل من على شريط سكة حديد، بينما كان يمر بجانبه ناس غير مهتمه بصراخه وطلبه النجدة بعدما علق الكرسي المتحرك بقضبان السكة الحديد.   
ولهذا أيضًا  قد تجد أناس يخاطرون بحياتهم في بعض الأحيان تفاديًا لإيذاء الآخرين،  وهذا ما حدث مع الطبيبة النفسية Abigail Marsh  حين تفادت صدم كلب فانحرفت بسيارتها من على الجسر وقد نجت بأعجوبة. ما كان يحرك السيدة أبيجيل مارش هو ذلك النشاط الملحوظ في عقلها في منظقة دوائر التقمص الوجداني.
إن سماع مثل هذه القصص جعلتني أشعر بالطمأنينة، لأنني شعرت في فترة ما  أنه لربما أعاني من الخلل النفسي، الذي  دفعني  للهروب ذات ليلة  بكلب شارع، من محيط  سكني بعدما حاول السكان التعرض له بالضرب والسم وأبلغوا عنه البلدية، هربت به في منتصف المساء وهو يعاني من شروخ في الضلوع، وكنت أحاول إقناع نفسي أن الأمر لا يخصني والكلب لا أعرفه، فكل ما عليّ فعله هو عدم الالتفات للأمر، لكن كانت هناك حاجة ُملحة تخرجني عن مساري ودفعتني أن أركب سيارة نقل بعد منتصف الليل لأنقل الكلب إلى الشيلتر الوحيد الذي وافق على استقباله في منطقة تبعد 40 ك .  اتضح لي أنا ما فعلته كان بسبب  تلك الدوائر في أدمغتنا (دوائر التقمص الوجداني)، فهكذا شعرت بالطمأنينة، فألا بذكر العلم تطمئن النفوس.
دوائر التقمص الوجداني ونشاطها الزائد هو ما يجعل رجل يدافع عن امرأة تقع تحت طائلة التحرش ونقص النشاط المخي في هذه الدوائر هو الذي  يجعل المتحرش يتلذذ بالتحرش وقمع وجرح ضحيته وهذا على سبيل المثال لا الحصر.
نشاط تلك الدوائر في أدمغتنا تجعلنا متعاطفين ومحبين ومؤازرين للمختلفين عنا عقائديًا مثلا، وخمول النشاط في أدمغتنا يجعلنا نتمنى الموت والسجن  للمختلف عنا حتى لو لم يكن يؤذينا بشكل مباشر، وهذا يقودنا إلى السؤال التالي
ما الذي يؤثر في زيادة أو خمول نشاط دوائر التقمص الوجداني في عقولنا؟
البحث الذي نشرته مجلة ناشيونال جيوجرافيك يحدد بعض الجوانب لهذا الأمر
أولا الجانب البيولوجي: وتم تحديد إنزيمات وجينات وراثية تتحكم في نسبة العدوانية أو التسامح تجاه الآخرين
ثانيًا الجانب النفسي: وفيه تبين أنه حتى إن كانت جينات العدوانية غالبة على التكوين البيولوجي، فإن الرعاية النفسية وخاصة منذ الطفولة تساعد على تنمية الشعور بالآخرين وتقلل نسبة العدائية، وهنا تذكرت إدارة مدرستي  في كانتربري – بإنجلترا، حين كانوا يؤكدون على الآباء والأمهات ضرورة وجود حيوان أليف بالمنزل ليتعلم الصغار الرأفة والمسؤولية والرحمة ولهذا السبب أيضًا كانت معلمتي تحرص على رعايتنا لدودة القز حتى تتحول لفراشة ثم تجمعنا حولها لنشاهد الفراشة تطير ونحن نصفق لها ونبارك حريتها. فالاهتمام بالتربية النفسية قد لا يصنع مجتمع فاضل في مدينة فاضلة ولكنه يقلل من ثقافة العدائية، ولهذا كان من الضروري أن نعي خطورة اصطحاب أولادنا منذ الصغر في عيد الأضحى ليشهدوا ذبح أضحية كانوا يلعبون معها منذ أيام، ثم نطالبهم بالأكل منها، بكل تأكيد أولادنا يحتاجون تناول البروتين لكن نتحدث هنا عن موضوع آخر وهو تعرضهم لمشاهد الذبح واعتياد الدم منذ الصغر.
الجانب الثالث النشأة الاجتماعية
وفي هذا الصدد، تقول (Essi Viding   ( عالمة النفس البريطانية والباحثة في كلية لندن الجامعية أن الأطفال الذيم يولدون بموروثات تجعلهم لا يتعاطفون مع الآخر، نادرا ما يتغلبون على هذه الصعوبة في الكبر
وهنا قد يكمن مربط الفرس ولربما الفرس بأكمله! وهو أن موروثاتنا قد تلعب دورًا كبيرًا في تنمية التقمص الوجداني وتعاطفنا مع الآخرين وقد تلعب دورًا خطيرًا في خمول مشاعرنا وتبلدها، فنسمع عبارات مثل قتل وسجن  الملحد والبهائي  أو عبارات التحرش بالسافرة .. الخ الخ
البحث الذي نشره ناشيونال جيوجرافيك بحث علمي،  تطرق حتى لمحاولات بعض مراكز التأهيل العالمية على تشجيع عقول الشباب الجانح على فعل الخير وربط فعل الخير مع الآخرين بالحياة السعيدة .
وهنا يتضح لنا أيضًا خطورة تربية أطفالنا على الربط بين الفعل الشرير والجزاء الخير، فمثلا إن أقنعنا طفل صغير بأنه إذا فجر نفسه في كنيسة سيذهب إلى الجنة لينعم بالحور العين، فنحن هنا أمام حالة مستعصية تجعلنا نعيش في مجتمع مختل.
د. شيري عياد لفتت انتباهي إلى أن المختل نفسيا ليس من يشعر بالآخرين بزيادة، فهنا الإفراط في الأحساس بالآخر هو ما يجعل المجتمعات سوية ويصنع أفراد أسوياء في بيئات مشوهة نفسية ولكنها لفتت انتباهي كذلك أن هذه المجتمعات يكون لها ضرر بالغ على الأفراد الذين يسعون للحياة بشكل سوي لدرجة تجعلهم يظنون أنهم يعانون الاختلال النفسي! وبالطبع لا يوجد شخص سوي بشكل كامل لأنها درجات متفاوتة، والمقصود هنا الأشخاص الأقرب للحالة السوية.
لذا فإن تنمية مشاعر أولادنا منذ الصغر على التعاطف مع آلام الآخرين بالرغم من الاختلاف العقائدي أو الجنسي أو الاجتماعي هو أهم خطوة من خطوات الحراك التنويري الذي نتحدث عنه ونحاول بثه في المجتمع حتى نقلل تلك العدائية والتطرف الشائع.

التعليقات