سحر عبد القوي تكتب: النسوية هل تعني كراهية الزواج؟

وجّه لي أحد أصدقائي سؤال عبر صندوق الرسائل الخاص بالفيسبوك قائلا: لماذا تكره النسويات الزواج؟ ولماذا إن هن اٌقدمن على الزواج يحجمن عن إنجاب الأطفال؟ وأجبته أن النسوية لا تعني الامتناع عن الزواج.

أعتقد أن الأمر استغرق مني تفكير طويل قبيل الإجابة. هل أقدم إجابة شخصية؟ هل أقدم إجابة بحسب إلمامي نوعا ما بالأيدولوجية النسوية؟ أم أقدم إجابة بما يتسق مع النسوية الممكن ممارستها وتطبيقها في بلادنا؟

الحقيقة نعم...النسوية لا تحب الزواج لكنها لا تطالب الناس بالامتناع عن الزواج. ولمعرفة سبب كراهية النسوية لمؤسسة الزواج سنستعرض عدة أفكار.

منذ فجر الحضارة لم تخبرنا الأنثروبولوجيا عن توفر مجتمعات أمومية بشكل حاسم كمجتمعات قردة البونوبونو مثلا. فسيطر علي شكل المجتمع المظهر البطريركي الأبوي. في هذه المجتمعات يتحدد للرجل دور كسب العيش وللمرأة دور الحمل والولادة ورعاية الأولاد واستمر الوضع على هذا المنوال. مع التقدم التكنولوجي والحضاري لم يتقلص دور الرجل المسيطر متخذ القرارات ولم يتمدد دور المرأة راعية المنزل الطباخة التي تلد الأطفال وترعاهم. وحتى عندما حاربت المرأة من أجل أن تعمل مثل الرجل خارج المنزل انضمت هذه المهام لمهامها. فأصبحت تعمل وتكسب وترعي المنزل من طبخ وتلد الأطفال وتربيهم. ولم تحظ أبدا بالمشاركة في اتخاذ القرارات. وهنا تتحفظ النسوية على التمييز الجنسي.

إن أحجم رجل عن الزواج يصبح حاملا للقب عازب. وقد يظل مرغوبا ومشروع عريس مرجو لدي كثير من الفتيات مهما تقدمت به السن. بينما إن أحجمت المرأة عن الزواج رغبة منها في دفع مسار حياتها بعيدا عن الطرق التقليدية تحظي بلقب عانس. وهنا تتحفظ النسوية ضد التمييز الجنسي.

عندما تتزوج المرأة ترتدي فستان أبيض اللون رمزا لعفتها وبكارتها. ويعلق الناس على مقدار جمالها ونحافتها أو اتساق جسدها. تضطر لوضع الماكياج وارتداء الكعب العالي وتضطر لأن تركض خلف معايير الجمال. بينما لا يضطر الرجل لكل هذا! وفي هذا تمييز جنسي صريح تتحفظ عليه النسوية. وعندما تسير العروس متأبطة ذراع أبيها ليسلمها إلى الرجل الذي تزوج منها وكأنها شيء ما، أو ملكية يتم إزاحتها من شخص لشخص. تري النسوية أن هذا تمييز جنسي ضد المرأة وتتحفظ عليه.

يلجأ الرجل والمرأة عندما يرغبوا في تكوين أسرة إلي الدولة التي لا تدعم إلا شكل واحد من أشكال الزواج وهو الشكل الديني فلا يستطيع الرجل لمس شريكته إلا بإذن رجل الدين وكأن ليس للمرأة أي تحكم في حريتها الجسدية فتتحفظ النسوية ضد هذه الممارسة. بينما لا تدعم الدول أشكال الحياة الأخرى بين الشركاء كأصدقاء أو كرفقاء وفي هذا تمييز باتجاه شكل واحد من أشكال الحياة!

الدول هي التي تحدد شكل العلاقة بين الأزواج عن طريق قوانين الأحوال الشخصية. قوانين الزواج والطلاق والحضانة وخلافه بينما الأزواج نفسهم مفعول بهم لا يملكون إلا الإذعان لما تفرضه الدولة علي من يختارون الدخول في مؤسسة الزواج.

وفي بعض دول الشرق الأوسط تكون إجراءات الطلاق معقدة ومتشابكة ويصبح الزواج مبني يمكنك الدخول إليه لكن ليس به مخرج. فتتحفظ النسوية على هذا التمييز.

جدير بالذكر أن نذكر أن الاغتصاب الزوجي في دول الشرق الأوسط أكبر نسبةً وعددا من اغتصاب الغرباء للأنثى. بينما يغضب ذوي المغتصبة من شخص غريب علي ضياع بكارتها ولا يبدون حراكا إزاء اغتصابها من زوجها ويشرعون السلوك أيضا. وفي بعض الدول يتصالح المغتصب مع المغتصبة بالزواج ويفلت من العقاب! كيف تتقبل النسوية هذا التجبر التمييزي الجنسي.

حالات إساءة المعاملة والعنف الأسري الذي لا يستطيع القانون في دول كثيرة التصدي له هو أيضا ذريعة لكراهية النسوية للشكل التقليدي للزواج.

لكن...وهنا لكن مفصلية. في بلادنا حيث الزواج هو المدخل الحصري لعلاقات جنسية يرضي عنها المجتمع ويباركها ولا يشين أصحابها. وحيث أن الإجهاض ممنوع ويجري بعمليات تحت بير السلم. وحيث الجهل التام بأساليب منع الحمل. وحيث أفكار العار تطال من يقيمون علاقات جنسية خارج أطار الزواج. وحيث الخوف من الوحدة لا يمكن أن تدعو النسوية لهجر مؤسسة الزواج هجرا كليا. وحين تقترب النسوية من فكرة الزواج تلجها بأسلوبها الخاص متحللة قدر الإمكان من كل التراث التمييزي الجنسي الذي تفرح به الفتيات ويعقدون العقدة وهن متوجسات. فهنا للشرق خصوصيته التي يفرضها فرضا بقوة العُرف والدين والقانون.

 

مصدر:

نقد النسوية للزواج: بقلم نيل بردون من موقع سيكولوجي توداي

التعليقات